معادلة النهضة

ت + ت - الحجم الطبيعي

يقول الفيلسوف إيمانويل كانط (الإنسان لا يتطور بالراحة، التجربة والمعاناة والمحاولة هي التي تطور روحه)، وحين تجتمع التجربة والمعرفة يصل الإنسان إلى الوعي الذي يدفعه لتحسين حياته، والخلاص من كل معاناة تكدر عليه أوقاته وتمنعه من التمتع بها كما ينبغي، الوعي أيضاً يجعله يطور مطالبه ويعلي سقف تطلعاته وحقوقه، حتى يغدو الإنسان في أعلى مستويات وعيه شريكاً في الموارد والسلطة وإدارة آليات الحضارة.

إن الحضارة التي تكونت عبر الحقب والقرون، ولا تزال تواصل تراكماتها، لم يؤسسها إنسان غافل أو جاهل أو عديم الملكات والموارد، بل أنها حسب تعريف الجزائري مالك بن نبي هي نتيجة لتضافر ثلاثة شروط: الإنسان والوقت والموارد الطبيعية المتاحة، أما الإنسان الذي يبني الحضارة فلا بد له من التجارب أولاً، والمعرفة والعلم ثانياً، وثالثاً لابد من الحاجة التي تدفعه بقوة للتفكير والإنتاج والابتكار والاختراع للتغلب على معاناته وظروفه والانتقال بذلك لظروف أفضل وأكثر راحة.

لنتأمل سيرة الحضارة عبر تاريخ المخترعات التي أوجدها فكر الإنسان وجهده، كيف ظهرت؟ كيف اخترعها الإنسان ولماذا؟

لنبدأ بالعجلة باعتبارها أول الاختراعات البشرية! لقد ظهرت بسبب الحاجة بعد أن تحول رفع الأثقال لمعاناة مرهقة، لكن وبعد تجارب طويلة عرف الإنسان أن عليه أن يتخلص من هذه المراوحة في جحيم الجهد، فطور معرفته وتوصل لبعض القواعد المهمة للحركة الفيزيائية وعلاقتها الطردية مع الجهد، ما جعله يخترع العجلة التي وفرت الكثير من الجهد والوقت، بعد ذلك توالت اختراعاته واتسع أفق الحضارة بطبيعة الحال، وهو في كل ذلك كان محاطاً بموارد طبيعية تعينه على إنجاز مهامه، وأول هذه الموارد كان الوقت المتاح والعلم.

لقد بدأت النهضة الأوروبية من المدن الإيطالية المتألقة، التي امتلكت ما يكفي من المال والخبرات التجارية والأمراء المتنورين والفنانين الكبار، أي أنها امتلكت كل شروط النهضة التي جاءت في معادلة مالك بن نبي، فتفجرت النهضة من فلورنسا والبندقية وغيرها لتصل أنوارها إلى كل مكان.

طباعة Email