هذه الرواية تستحق البوكر!

ت + ت - الحجم الطبيعي

بعد مضي زمن طويل من القراءة، يتكون عند هذا القارئ الذي يمكننا وصفه بالمحترف أو الحقيقي، حس نقدي يجعله قادراً إلى حد كبير على الاختيار والمفاضلة بين الأعمال المعروضة، فليس كل ما تلفظه المطابع جديراً بالاقتناء والقراءة في الحقيقة، يصير هذا القارئ منارة حقيقية، إذا أشار إلى كتاب وجبت الثقة في ذائقته فهي قائمة على جهد ومتابعة وقراءات متوالية، حتى إذا أعطى رأياً كان بعيداً عن الغوغائية والانطباعية، وبعيداً عن كلمات من مثل «رواية عظيمة وكتاب مذهل..».

إن هذه التوصيفات المطلقة والفضفاضة قد تسعد الكتاب والمؤلفين كثيراً، لكنها والحق يقال لا تشكل رأياً يعتد به كتقييم حقيقي ومقنع وموضوعي للكتاب أو الرواية، هذه مجرد انطباعات، تعبر عن تفاعل حواس القارئ ومشاعره مع المقروء، لا تمت للتقييم أو النقد العلمي ولا للرأي الذي يفند نقاط القوة والضعف والاكتمال والنقص والإضافة والتكرار والحداثة والتأصيل.. وغير ذلك.

إنك حين تصف رواية بأنها عظيمة، عليك أن تفككها ابتداءً من عتبتها وحتى خاتمتها ماراً بكل مكوناتها: اللغة/‏ الفكرة/‏ الأساليب/‏ التقنيات/‏ طريقة السرد/‏ بناء الشخصيات وتطورها داخل العمل وعبر زمان الرواية وأمكنتها/‏ التشابكات والصراعات بين البطل وما يحيط به وبين كل أبطال العمل/‏ مجموعة العقد/‏ الحوارات.. إلخ. إن القراءة والمطالعة والمتابعة المستمرة تجعلك قادراً إذا ما أعطيت رأياً في عمل سردي أو سينمائي أو درامي أن ترفق ذاك الرأي بما يعززه ويؤكده في سياقات النص.

حينما قرأت رواية «دلشاد» للعمانية بشرى خلفان، التي صعدت مع خمس روايات أخرى للقائمة القصيرة في قائمة البوكر العربية هذا العام 2022، أحببتها وشعرت بأنه قد مرّ زمن لا بأس به لم أقرأ رواية بكل هذا الثراء والقوة والإتقان، لذلك اعتبرتها مثل كثيرين غيري رواية مهمة، توفر لقارئها الكثير من المتعة والاكتشاف والتماهي مع العمل، وبلغة وازنت بين الشاعرية والعقلانية، وبين الوصف والدخول في أعماق النفس البشرية لأبطال العمل، وبحق فإنها الرواية ذات الحظ الأوفر لنيل البوكر هذا العام.

طباعة Email