رمضان الذي عشناه

ت + ت - الحجم الطبيعي

كانت ليلة النصف من شعبان التي احتفل بها الناس في الإمارات منذ قرابة أسبوعين هي الإشارة الأوضح على قرب حلول الشهر الفضيل واستعداد الأهالي له، كل بطريقته وحسب مقدرته المادية.

والجميل في هذا الاحتفال، احتفال ليلة النصف من شعبان الذي يطلق عليه أهل الإمارات «حق الليلة»، أنها تتلون بالفرح ومعاني العطاء والتهادي والتواصل وصور الطفولة والبراءة، وأصوات الأهازيج والأناشيد التي يرددها الصغار وهم يعبرون أزقة و(سكيك) حيهم، والأحياء البعيدة عنهم حين يتجاسرون ويخرجون إلى البر الآخر من المدينة، مستقلين عبرات الخور في مجاميع ملونة ضاجة بالضحكات وأكياس الحلويات والمكسرات التي يجمعونها من البيوت منذ ما بعد صلاة العصر وحتى يعودوا أدراجهم مع آذان المغرب متباهين، كل بمقدار ما جمع.

هكذا كانت (ليلة النص) مقدمة لرمضان، حيث كانت النساء ينهمكن في إعداد لوازم الشهر، تجفيف الأرز وطحنه ليكون دقيقاً للفرني، وتوفير الحب وتخزينه لعمل الهريس طوال الشهر، وتوفير الدقيق اللازم لعمل اللقيمات، إضافة لتوفير ما يلزم لعمل الساجو والعصيدة والأرز وغير ذلك، خاصة تلك البيوتات التي لا تكتفي بتوفير إفطار لساكنيها، وإنما تقوم بتوزيع قسم مما تعده على بيوت الجيران، وتحديداً الهريس الذي لا يزال يحتفظ بوجوده، كونه طبقاً رئيساً على موائد الإماراتيين في رمضان، وطبقاً لا يزال يوزع ويتم تبادله بين الجيران.

أذكر جدتي وهي تشتري أو تستكمل ما ينقصها من أوانٍ وأطباق وصوانٍ خاصة برمضان، فكانت تغسل كمية كبيرة من الأواني وتجففها، ومن ثم أضع أسفل كل طبق علامة بمادة طلائية حمراء كي لا تختلط أو تضيع أطباقها مع أطباق الآخرين بسبب التوزيع والتهادي المستمر خلال أيام الصوم. لقد كانت مظاهر الاستعداد واضحة جلية، على مستوى الماديات والروحانيات معاً، فهناك من يصوم أياماً كثيرة من رجب وشعبان تهيئةً لصوم رمضان، أما الرجال فيشترون ويوفرون المواد الضرورية، وتحديداً الذبائح لقدور الهريس، التي لن تخمد النيران تحتها إلا بنهاية الشهر.

طباعة Email