حين لا تنقذنا اللغة

ت + ت - الحجم الطبيعي

ليست الجاذبية والتفرد في بناء العبارات والكلمات هما ما ميز كلام علماء التصوف فقط، ولكنه الغنى الكامن في المعنى، واحتمالات تأويله على أوجه مختلفة، وإمكانية استخدامه على مر الزمن، لا ينال ذلك من عمقه، ولا يؤثر في قوة معناه، من ذلك قول أحد كبار المتصوفة، وهو ابن الحسن النفري: «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة».

وكأنه يقر بحقيقة خلاصتها أن على الإنسان أن يوطد نفسه على قبول هذه الحقيقة، حقيقة أن كل ما تسعى إليه، إلى رؤيته وفهمه والوصول إليه، إذا صار متاحاً كماً، وسهلاً ومتوفراً فإننا لن نكون بحاجة للكلام، لكن إذا اتسع الأمر وصعب وصار محالاً تضيق حتى العبارة عن استيعابه والتعبير عنه، وكأن النفري أو جماعته يريد الإقرار بأن الكلام أو العبارة لا تكون في متناول الفكر دوماً، وهي غير جديرة بنجدتنا أو إنقاذنا من مأزق اتساع الرؤية!

في عبارة النفري إلغاز شديد، يحتاج إلى تفكيك وإعادة تركيب، لا كما قد يتخيل البعض، فالرجل يحتفي بالرؤية، معلناً في المقابل بؤس العبارة، فما بالنا إذا كان الواقع أصلاً ضيقاً على الاثنين: الرؤية والكلام، وتحديداً في هذا الزمن الذي يحتفي أهله وأنظمته وقوانينه بالكلام وحريته، وبالتعبير وحقوقه، وبالرأي وضرورته؟

حاول الإنسان أن يستنجد بالعبارة فخذلته، ليس في عالم التصوف، ولكن في الحياة الطبيعية والموازية التي نعيشها، حتى صار الفرد يدفع حياته وأمواله ثمن كلمة، ومقابل حديث تافه أو عابر أو غير مقصود أحياناً، فما الحل؟ لنلجأ إلى التقنية، إلى نتاجات الحداثة، إن لديها من الذكاء ما يؤهلها لنجدتنا، ولقد فعلت، لكن الإنسان على عادته لا يمكنه أن يتعقل، أما الأحلام حين تتحقق، فإما أن يدمر نفسه أو يدمر الحلم، وهذا ما كان!

لا تزال هناك مساحات جيدة للكلام والحديث، وقد آن للإنسان أن يعقلن رؤيته وعباراته ورغباته وتصرفاته، كي لا تضيق العبارة عما يريد وعما يعاني.

طباعة Email