عندما نولد مرة أخرى

ت + ت - الحجم الطبيعي

ماذا لو قدر لكل إنسان أن يختار يوماً خاصاً يراه جديراً أو مناسباً لأن يكون يوم ولادته الجديدة، يسميه يومه كما يحتفل الإنسان بيوم ميلاده مثلاً، أو كما تحتفل الدول بيومها الوطني على سبيل المثال، إذ تمتلك هذه المناسبات أو الأيام خصوصية وجودية خاصة، وليس مجرد خصوصية كرنفالية، هذه مناسبات لا تتكرر ولا تتقاطع ولا يمكن استبدالها، إنها تواريخ وجدت فيها الدول بشكل مغاير عما كان، وولد فيها إنسان من العدم، وهكذا..

مع ذلك فالإنسان في هذه الحياة يمكن أن يولد أكثر من مرة، يولد ولادته القدرية التي لا يد له فيها، ويولد عندما يتغير مصيره إلى مسار آخر ينقله من ضفة إلى أخرى، ومن مصير لمصير مغاير، هذا يختلف تماماً عن الأيام الفاصلة في حياة كل الشعوب، كيوم المرأة، ويوم الأم مثلاً!

فلا يوم يمكن اختراعه وتوزيعه بالتساوي على نساء العالم، ففي ذلك ظلم بما لا يقاس وعدم عدالة، وانتهاك لخصوصية التجربة، وتبديد للمعنى العميق والمضمر في التجربة: بجمالها وقسوتها وآلامها وأفراحها ودهشتها.

ففي بصمات الذاكرة خصوصية لا تنكر، وفي رنين الأيام، وتجاعيد الوقت، وجروح القلب ما لا يتساوى ولا يتشابه أبداً، كما لا يمكن لأي نحات أن تصنع عبقريته مهما تعالت تمثالاً أيقونياً ليوم يجمع فيه تجربة نساء الكون..

إن يومي الذي اخترته لأكون من أنا اليوم، هو اليوم الذي ولدت فيه أنثى أولاً، وولدت ثانية كإنسانة بكامل إرادتي وحريتي واختياري عندما اخترت أن أكون هذه الذات الكاتبة التي تعرفونها عندما كتبت أول مقال لي في 27/12/1995، ذلك هو يومي الخاص الذي عندما أنظر اليوم للخلف وأحدق في ذلك البعيد، في تلك الفتاة التي كنتها موظفة في إحدى مدارس دبي، أشعر أنني انتقلت من زمن إلى زمن، وخرجت من شخص إلى آخر، لكنني أخذت معي كل حمولتي التي اكتنزتها من عائلتي وتربيتي وقراءاتي وتجاربي، والتي بها بقيت صامدة حتى اللحظة.

طباعة Email