فكيف تكون صديقي؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

(لو أن لأحد فضلاً في استمرار هذه الصداقة التي بيننا فإنني أعترف به لك)، هكذا قلت لصديقتي ذات يوم وما زلت أردده حتى اللحظة، فرغم تباعد المسافات وندرة المرات التي صرت ألقاها فيها إلا أنني في كل مرة نتحادث أو نلتقي بعد فراق أجدها وكأننا لم نفترق لحظة، تذكرني بعلي بن الجهم إذ يقول

أَبلغ أخانا تولّى اللهُ صحبتَه

أَنّي وإِن كنت لا أَلقاه أَلقاه

والحقيقة هي أن الحفاظ على علاقات صداقة حقيقية متجردة من المصالح، وصامدة بذات العمق والمودة على مر الزمن، لا تتأثر بتبدل الأمزجة والأحوال، يبدو أمراً نادراً ومدهشاً وصعباً في الوقت نفسه، ذلك أن الناس يتبدلون كما يتبدل الزمان، لأن الناس يشبهون زمانهم، ولأن من طبيعة القلوب التقلب، وطبيعة العلاقات الإنسانية التلون والتغير، لخضوعها لحكم الهوى، والشك، والغيرة، والحسد، والملل، وغير ذلك مما يتسرب للنفوس والقلوب، منعكساً بالتالي على العلاقات والعواطف.

وبالرغم من أن العرب قد نظروا للخل الوفي كواحد من المستحيلات مثل الغول والعنقاء، إلا أن الأصدقاء الأوفياء موجودون حولنا دائماً، حيث لا تخلو حياة أحد من صديق وفيّ، ذي وعي كبير وحقيقي بقيمة الصداقة، ونكران الذات والتواضع ومحبة المشاركة.

‏أخيراً، لا ينجح في الصداقة إلا شخص ينتبه للتفاصيل، شخص ينتبه لأبسط آلامك ويسأل عنك وسط الزحام حين يعتقد الآخرون أنك مكتفٍ بذاتك وتبدو قوياً ولا تحتاج لأحد، شخص يمرر لك هفواتك الصغيرة لأنه مؤمن ببشريتك كما بإنسانيتك، وقد قبل نقائصك كما أحب فضائلك، شخص جاء ليحبك ويعيش تجربة الصداقة معك بكل ما فيها وكما أنت وكما هو، لم يأت ليعيد تربيتك ولا ليصنعك من أول السطر.

لتكون صديقاً يا صديقي بادر تجاهي ولأجلي دون أن تنتظر أن أشكو لك الظروف والحياة والملل ونظام التفاهة كله، لأنني حتى وإن كنت ثرثاراً، فإنك تعلم أن ليس كل شيء قابلاً للشرح.

طباعة Email