الحرية.. قدر أم قرار؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

كتب الروائي غارسيا ماركيز:

«البشر لا يولدون دوماً في ذلك اليوم الذي ولدتهم فيه أمهاتهم، وإنما تجبرهم الحياة على ولادة أنفسهم بأنفسهم مرة ثانية وثالثة ولمرات عديدة».

أنا من الذين يصدقون ذلك تماماً، كما أصدق أننا لم تلدنا أمهاتنا فقط، لقد ولدتنا الحياة، والظروف، وصفات أسلافنا القدامى الذين لم نلتقِ بهم يوماً، والصدف، والأشرار الذين تسببوا في أذيتنا ونحن صغار فغيروا كيمياء نفوسنا.

لدي يقين بأن العبارة العظيمة التي نترنم بها دوماً (إن البشر ولدتهم أمهاتهم أحراراً) تحتاج لإعادة مراجعة وتفكير، ذلك أنه يتوجب التمييز بين جملة (خلق الله الإنسان حراً وأراده أن يكون كذلك) وبين (ولد الإنسان حراً) ذلك أن الناس بالمطلق خلقهم الله وأراد لهم أن يكونوا أحراراً بالفعل، إن ذلك متفق تماماً مع واجب الخلافة الذي كلف به، وهبة التكريم التي وهبها الله للإنسان، فلا يكون مكلفاً ولا مستحقاً لشرطه الإنساني ما لم يكن حر الإرادة، حر التوجه، حر التصرف، فهل يولد كل الناس دائماً في ظروف وبيئة وأحوال توفر وتضمن لهم الحرية فعلاً؟!

ماذا إذا ولد الإنسان في زمن العبودية؟ كيف يتأتى له أن يكون حراً؟ وإذا ولد لأم سجينة؟ وإذا ولد في نظام ديكتاتوري شمولي؟ وإذا تربى في عائلة من اللصوص والخارجين على القانون؟ كثيرة هي الأحوال والظروف التي يولد فيها الإنسان رغماً عنه، ودون أدنى بارقة أمل في أن يمتلك إرادته وحريته لتوجيه دفة حياته أو تحديد مستقبله ومصيره!

إذن فالإنسان غالباً لا يولد حراً، ولكن الله يريد له أن يكون كذلك ليستحق إنسانيته ودوره في الحياة، ولذلك عليه أن يسعى في سبيل هذه الحرية، وهنا فكلما اختار خياراً ينافي واقعه المتعارض مع مبدأ الحرية، وكلما اتخذ قراراً يرسخ استحقاقه لحريته، يكون بإزاء ولادة جديدة تمنحه إياها الحياة أو تجبره عليها، وهذا هو تماماً ما قصده الروائي العظيم ماركيز.

طباعة Email