00
إكسبو 2020 دبي اليوم

لماذا الشرق؟

تذكرت أستاذ الجامعة الأمريكي، الذي وصل إلى حالة من اليأس مع طلابه، حين أراد أن يرصد المستوى الإنساني والقيمي في سلوكياتهم الفردية، فتوصل إلى أن هؤلاء الطلاب نتاج مجتمع وتربية وقيم وفلسفة معينة قائمة أساساً على تعزيز المنهج الفردي، وأن الفرد هو الأهم وهو محور السياسة والاقتصاد والحضارة في الغرب، وأن هذا الفرد ما عليه سوى أن يهتم بنفسه ويعلي شأن احتياجاته ورغباته وحريته غير آبه لما حوله طالما أنه لا يؤذيهم ولا يتجاوز على حقوقهم.

لقد حاول هذا الأستاذ أن يدرب طلابه على قيم الحب والتعاضد الاجتماعي عند الأزمات، لكنه أيقن أن الإنسان، مثلما هو ابن تاريخه، فهو كذلك ابن مجتمعه ونتاج تربية هذا المجتمع له، لذلك يمم وجهه صوب الشرق، باحثاً عن ما افتقده في مجتمعه، ولأكثر من عام ظل يتنقل بين القرى باحثاً عن أسرار الحب والتعاطف ومظاهر وأسرار التشارك الاجتماعي بين الناس هناك!

اكتشف بمرور الوقت أن هذا الشرق بئر من الأسرار والمفاجآت لا نهاية له، وأن مقولة الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا مقولة صحيحة لا تجنيَ فيها على أحد، فمزاج الشرق وثقافته وفلسفاته وأديانه، ومناخه وتاريخه وموقعه ورائحته وألوانه وموسيقاه ورقصاته وأحلام الإنسان فيه، مختلفة تماماً، وهي ما كونته وأنتجته في نهاية المطاف وجعلته مختلفاً ومغايراً.

الشرق لا يشبه الغرب في شيء، فمدنه لا تعترف بلوائح المواعيد والقوانين كثيراً، وإنسانه لم يتأقلم بعد مع كيمياء المشي على الخط المستقيم، لا ينام في نفس الساعة كل يوم ولا يصحو في نفس التوقيت كل نهار، يشاغب الوقت والتعليمات ويتحايل على الإرشادات المرورية، ومع ذلك فالكل حين يريد أن يعيش الحياة بنسغها وحرارتها وتدفقها يذهب إلى الشرق ومدن الشرق، وحيث يتجلى الشرق في مدن البحر المتوسط، يذهب إلى هناك مباشرة دون لف أو دوران، وهو يعلم أنه سيجد ضالته!

قد لا يكون متطوراً، لكن الشرق سيظل مختلفاً دائماً.

 

طباعة Email