العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    الإنسان ابن نشأته!

    بعد أن أنهيت قراءة رواية (المصابيح الزرق) للروائي السوري الراحل حنا مينه، فكرت أنه سيكون جيداً لو أنني قرأت بعض ما كتب عنها من قراءات نقدية، فوجدت الكثير عن الرواية والراوي ولا عجب فـ (حنا مينه) أحد القلائل في الرواية العربية الذين صاغوا عالمًا روائيًّا متكاملًا وواقعيًّا، مثلما أنه أحد الروائيين العرب القلائل - أيضًا - الذين جعلوا من الرواية العربية فنًّا شعبيًّا مقروءًا ومتداولًا بين عامة الناس.

    لقد قلت مقروئيته بعض الشيء في السنوات القليلة الماضية، كما قلت مقروئية كثير من عظماء الكتاب، وما ذلك إلا لظروف بعينها تتعلق بظروف سوريا وظروف النشر والطباعة والتوزيع، دون أن تنال من قريب أو بعيد من أهمية وقوة مشروعه الروائي!

    أحالتني قراءاتي حول حنا مينه والواقع العائلي البائس الذي نشأ وتربى فيه، والظرفين المكاني والزماني اللذين شكلا شخصيته وأدبه، هو الذي ولد بين حربين عالميتين طاحنتين في مدينة اللاذقية زمن الاحتلال الفرنسي، وكيف انسكب كل ذلك في تكوينه النهائي مشكلاً شخصه وقتاعاته ونتاجه الروائي، وفي الوقت الذي يقول فيه علماء النفس والعلماء الإنسانيون إن جزءًا ضئيلًا فقط من مكوناتنا هو الذي يصنعنا على النحو الذي نجد أنفسنا فيه، بينما يبقى كل ما مررنا به وأثر فينا كامنًا في داخل الإنسان!

    لقد بدت لي هذه النتيجة بعيدة جدًا عن الواقع، خاصة وأنا أقرأ روايته الأولى (المصابيح الزرق)، وما تبعها لاحقًا من روايات كثيرة نسجت من واقع بسطاء اللاذقية وفقرهم وانسحاقهم أمام الاحتلال وشح الموارد وانعدام أفق الحياة الإنسانية في ذلك الزمن، إضافة لقناعاته حول النضال وحقوق الفقراء، مما يدين لتلك المكونات بكل الفضل، فالإنسان بكل ما يبدو عليه وما يظهره لاحقًا هو نتاج تلك المكونات كلها، مهما حاول أن يظهر عكس ذلك!

     

    طباعة Email