العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    الكتابة في غرفة ضيقة!

    في كل مرة أجري فيها لقاء صحافياً أو تلفزيونياً، لا بد أن يذهب الحديث إلى البدايات، إلى نقطة البدء في عالم الكتابة والصحافة، إلى لحظة التنوير الأولى والمباغتة، التي لمعت في ذهني، وقادتني بكل حواسي دفعة واحدة إلى غرفة ضيقة جداً، بلا نوافذ ولا جهاز تكييف، ولا أي قطعة أثاث، باستثناء خزانة حديدية، وطاولة خشبية وكرسي واحد فقط، هناك جلست في حالة احتشاد عجيبة، لأكتب مقالي الصحافي، الذي كان الشرارة الأولى، التي غيرت مسار حياتي بكامله!

    لم تكن تلك الغرفة تتجاوز الثلاثة أمتار عرضاً والأربعة طولاً، حسب ما تحفظ ذاكرتي، تحتل الجزء الأكبر منها خزانة حديدية، كانت المدرسة تحتفظ فيها بأوراق امتحانات آخر العام، للشهادة الثانوية العامة، في ذلك الوقت من عام 1995.

    كانت مكاناً سرياً، كلما تذكرته اليوم، تصيبني حالة اختناق حقيقية، خاصة حينما أكون في مصعد أو مكان مغلق شديد الضيق، وإضافة لباب الغرفة الخشبي، فقد تم تحصينها بباب حديدي يغلق على ذلك الباب، زيادة في التحصين والاحتراز، وكنت باعتباري مساعدة المديرة، مسؤولة عن الامتحانات، جملة وتفصيلاً، والوحيدة التي بحوزتي نسخة من المفتاح الوحيد للغرفة، حصراً، للمسؤولية في حالة تسرب أي امتحان، أو حدوث أي إخلال بسرية الامتحانات، وهو ما لم يحدث، ولله الحمد.

    بعد ذلك الموقف المتعنت من مديرة المدرسة، مع واحدة من المعلمات التي جاءت للاستئذان لمغادرة المدرسة، ووقوفي في صفها ضد المديرة، وتركها تخرج، لاقتناعي بعذرها، تأملت موقف السيدة مديرة المدرسة طويلاً، وداخلتني أحاسيس ومشاعر مرتبكة ومتباينة، وسألت نفسي كثيراً: ألا أكون بوقوفي مع المعلمة، قد تجاوزت صلاحياتي؟ كسرت هيبة المديرة وأحرجتها؟ ألا يجوز أنني خُدِعت بدموع المعلمة وتوسلاتها؟ ولم ينقذني سوى تلك الغرفة الضيقة جداً، التي لاحت لي كضوء في آخر النفق، فدخلتها، وأغلقت عليّ بالمفتاح، وأخذت أكتب!

    كان ذلك في الأسبوع الثاني، ربما، من شهر ديسمبر من عام 1995..

     

    طباعة Email