العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    الهشاشة النفسية

    أفكر في الآلية الذهنية، التي يشتغل بها عقل الروائي حين يختار بطل أو أبطال رواياته، وتحديداً ذلك البطل ذا الشخصية متعددة الوجوه أو شديدة التعقيد، البطل المصاب بالفصام العقلي (بطل روبرت ستيفنسون في رواية دكتور جيكل ومستر هايد على سبيل المثال) أو شخصية سعيد مهران في رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»، المرادف لشخصية راسكولينكوف في "الجريمة والعقاب" لديستويفسكي، ورسولفسكي، بطل رواية ملعون ديستويفسكي لعتيق رحيمي وغيرهم).

    كل هذه الشخصيات هي شخصيات فريدة بطريقتها، لكنها جميعها ترتكب جريمة أو جرائم قتل في نهاية المطاف، رغم ما تتمتع به من توجه رومانسي وثقافة وسلم قيم عال! إذاً كيف ينتهون مجرمين في نهاية المطاف؟ يقنعنا معظم كتاب هذه الأعمال، وجلهم كتاب عظام، أن هؤلاء الأبطال قد تحولوا إلى قتلة، بفعل اختلال النظام الاجتماعي، وبسبب الفقر وانعدام المساواة وانسحاق الإنسان تحت عجلات النظام القمعي أو غير العادل، فهل يصح الاتكاء على هذا التبرير لتفسير الجريمة؟ لو أن ذلك صحيح لتحول نصف العالم إلى قتلة!

    إن الاعتقاد بهشاشة الإنسان نفسه قد يكون مبرراً أكثر مقبولية، إضافة لانهيار آليات دفاعاته النفسية، ومقاومته لكل أشكال الشر والشراسة والظلم بأسلوب آخر غير القتل، وعليه فإن انتحار كثير من الكتاب والمبدعين لا يقبل أيضاً أن يبرر بضغوط المجتمع فقط، أو بحالة الحرمان والإقصاء وعدم التقدير، لأن هناك من حاز أقصى درجات التقدير والثراء، لكنه أنهى حياته بالانتحار، وهذا ما نجد تفسيره في تقرير ورد حول عائلة الروائي (ارنست هيمنجواي)!

    فلأسرة همينغوي تاريخ طويل مع الانتحار، حيث انتحر والده (كلارنس همنغواي) أيضاً، وكذلك أختاه غير الشقيقتين، ثم حفيدته، ويعتقد البعض وجود مرض وراثي في عائلته، يسبب زيادة تركيز الحديد في الدم، ما يؤدي إلى تلف البنكرياس، ويسبب الاكتئاب أو عدم الاستقرار في المخ، ما دفعه إلى الانتحار في النهاية خوفاً من الجنون.

    طباعة Email