عالم روائي!

كلما وقفت أمام رفوف مكتبتي، يقع نظري على رف فيها تصطف عليه أشهر الروايات التي لم يختلف عليها النقاد أو القراء العرب، الروايات الأشبه بالعلامات البارزة، تلك الروايات التي يوم قرأناها لم نجهد أنفسنا لتحبها ولا ذائقتنا لتقتنع بها، لقد كتبت لتصير شواهد، ولتدلل على مفهوم العبقرية، وأسرار الكتابة العظيمة، ومدى العلاقة الوثيقة بين الرواية وتاريخها، واللحظة الفارقة التي أنتجتها، فالرواية كما يقول النقاد ابنة المدينة وهي كالبشر تشبه الزمان الذي ولدت فيه.

فكما أن الزمن سجل لسيرورة حياة الناس، فإن الروايات العظيمة كذلك، وعليه فلا عجب أن تكتب رواية في القرن الرابع عشر في إيطاليا وتبقى حية خالدة إلى يومنا هذا تترجم وتطبع وتنشر وتقرأ، وتتقاطع مع أحداث وبشر يعيشون في القرن الواحد والعشرين، كرواية (الديكاميرون) إحدى أشهر روايات أدب الأوبئة في التاريخ، ورواية العمى، والجريمة والعقاب التي سجلت صراع الخير والشر في النفس البشرية، والغريب، الانمساخ والحرافيش وغيرها كثير!

على رف مكتبتي المتواضعة أضع روايات أجدها شاهقة كالمنارات تماماً لا تضاهى ولا يفسد روعتها تقادم الزمن، إلا أن لرواية «دروز بلغراد» لربيع جابر والتي أعتبرها أعظم رواية في تاريخ جائزة البوكر العربية، مكانة لا تضاهى، وأما ربيع جابر فأراه واحداً من أفضل الروائيين قاطبة، وأنه لأمر مؤسف أن يغيب طويلاً عن ساحة الرواية والإبداع.

تقوم رواية «دروز بلغراد» على تساؤل وجودي: ماذا سيحدث لإنسان بسيط جداً وجد في المكان الخطأ وفي الزمان الخطأ، لكنها اللحظة التي يتصنع فيها قدر ما سيكون قدره بطريق الخطأ، هل هذا حظه أم قدره؟ رواية تروي حاضر لبنان عبر مصير «يعقوب حنا» العاثر، متكئة على تاريخ شديد الالتباس والتعقيد! رواية لا يمكن لمن قرأها أن تغادر ذاكرته أو قلبه رغم كل مأساويتها، فهكذا روايات كتبت لتسكن الخلود.

 

طباعة Email
#