أسئلة القلق

هل المثقف صاحب الوعي والبصيرة شخص قلق بطبيعته وتكوينه النفسي، أم أن الأمر يخص أشخاصاً دون آخرين، لأسباب لها علاقة بالبيئة والتربية، ولا علاقة لمنسوب المعارف والثقافة والوعي بالأمر؟

إن صفة القلق ملازمة للمثقف الحقيقي، وهو ما قرأناه في سير معظم المبدعين والمفكرين وأصحاب مشاريع التغيير، ربما يعود ذلك لدوام التفكير، ومراقبة الحياة وسلوكيات الناس، وطرح المزيد من الأسئلة رغبة في الفهم، وفتح النوافذ، وكسر الصمت!

فمن يراقب الحياة والناس، يمتلئ هماً وقلقاً بلا شك، ومن يسعى للكمال فإنه مثل من يركض خلف سراب، كما يقال، لكن المثقف مجبول على هذا السعي بفطرته، رغم أن الحياة قد وُجدت لنحياها لا لنتباهى بتحليلها وتشريحها، وتعليقها على حبال الدنيا، ليتعرف على حقيقتها الآخرون، لكن المثقف يختلف عن الآخرين!

إن المثقف شخص يعرف ويسأل أكثر مما يجب، وبالتالي يرى أكثر من غيره، وهذه البصيرة ليست سهلة، إنها عبء مضاف وكبير، فحين رأت زرقاء اليمامة ما لم يبصر به قومها؛ لأن لديها ما لا يمتلكه أولئك القوم، دفعت حياتها ثمناً لتلك المعرفة.

المفكرون والفلاسفة، الذين اجترحوا معجزة الكشف، ومخالفة القوانين السائدة في أزمنتهم حُرقت كتبهم وسجنوا ونبذوا، وبعضهم قتل بدم بارد أو اتهم بالزندقة والكفر والجنون، ولم تنفعهم لاحقاً تلك الكتب ورسائل الدكتوراه والتماثيل والنصب، التي وضعت لهم تخليداً لفضلهم وعبقريتهم، لقد خسروا الفرصة الوحيدة المتاحة لهم، للتمتع بالحياة، لكن البشرية هي من استفاد، وهذا هو دور هؤلاء ولهذا خلقوا!

يقع بعض الكتّاب والمفكرين في المرض، وفي الاكتئاب، وفي العزلة، وأحياناً في الصمت والضيق، إذا ما ألحت الفكرة في الخروج من رؤوسهم، إن الحمل الطويل بالجنين قد يخنقه ويخنق الأم، إن الكتابة شيء في الوسط، بين تشهِّي الحياة ومعجزة الإبداع، فالكاتب حين ينجز إبداعه يكون قد اقترب من حافة الإعجاز، وشارف على الخلود.. وهذا شرفه وهدفه في النهاية!

 

 

 

طباعة Email