الزمن

هذا الوباء الذي يخيم على العالم منذ أكثر من عام حتى الآن، دافعاً البشر أمامه كأغنام الراعي التي عليها أن تسير وفق خطى القطيع لا تخرج عنه لأي سبب، هذا الوباء الذي صرنا نضبط وقع حياتنا على هوى تعليماته وموجاته المتتالية وتهديداته التي لا تتوقف، إذا كان من خير سنذكره له إذا ما انقشع عنا إلى غير رجعة، فهو أنه علمنا بقسوة لا تنسى قيمة الزمن، وأجلس الناس طويلاً مع أنفسهم، محرراً عقولهم وخيالاتهم لطرح عشرات الأسئلة على كل شيء!

هذه واحدة من حسنات العزلة الطويلة التي فرضها الوباء على سكان الأرض بأشكال مختلفة، وقد لا يحب الكثيرون الحديث بإيجابية عن كورونا، باعتبار ما مررنا به جميعنا خلال الأيام الثقيلة الماضية والتي لا يعلم أحد إلى أين تمضي بنا ومتى ستنتهى، لكن العزلة ليست شراً محضاً، العزلة كواقع أي ماذا فعلنا خلالها والعزلة كزمن بمعنى الكيفية التي عبر بها حياتنا.

أما ماذا فعلنا خلال العزلة فلكل منا سجل ذاكرة يمكنه أن يعود إليه ليعرف ماذا فعل وماذا أنتج وماذا أنجز، حتى لا يتهم الزمن بالسوء والبؤس والشقاء، الزمن عامل من عوامل صناعة الحضارات، نحن من يشكله بوعينا وتقديرنا ونحن من يصنع به حضارة أو بؤساً.

فكيف مر ذلك الزمن المجرد بنا؟ كيف تعاقبت علينا ساعاته وأيامه ولياليه؟ الزمن كحالة فيزيائية سائلة يتشكل بالكيفية التي نمارسه بها، نحن الأواني الحقيقية التي يتخذ وصفه من خلالنا، أما هو فلا لون ولا طعم ولا رائحة له، وكل وصف نضفيه للزمن هو وصف وهمي أو ذاتي نطلقه لنمنح أنفسنا صك براءة من مسؤولية الإهمال أو الكسل، فالزمن ليس عظيماً ولا رديئاً بحد ذاته، الإنسان أو الإنسانية هي التي تكون عظيمة أو رديئة بعملها ونضالها أو تقاعسها وبالتالي تنتج زمنها الجميل أو العظيم، أو ربما الرديء!

طباعة Email