الحياة فوق غيمة!

عندما أُخبرت (إيلينا) بطلة رواية «هكذا كانت الوحدة» للإسباني خوان خوسيه مياس، بنبأ وفاة والدتها، وقعت في حيرة غريبة من نوعها، لقد ترددت، وطرحت على نفسها كثيراً من الأسئلة، وحاولت أن تعصر عينيها لقاء دمعة حزن، إلا أن دمعة واحدة لم تسقط، وأخيراً توصلت إلى أنها لن تكمل نزع شعر ساقها الثانية، ولن ترتدي ثياباً مكوية للذهاب إلى المشفى الذي يحوي جثمان والدتها، وفي الحقيقة لقد كانت تسقط في الخوف أكثر من كونها وقعت في الحيرة أو الارتباك!

كانت تعاني أزمة علاقات متعددة المستويات، مع والدتها أولاً، مع زوجها الذي تشك في خيانته لها، مع ابنتها التي لم تتوصل إلى طريقة تعامل صحيحة معها، وبالتالي بقيتا بعيدتين عن بعضهما البعض، وكلما ابتعدت (إيلينا) عن محيطها، نجدها تخاف أكثر وتبحث عن منطقة أمان حقيقية تركن إليها بثقة تفتقدها!

حين تأكدت من خيانة زوجها لم تغضب، وحين ماتت والدتها لم تشعر بالحزن، في الحقيقة لقد كانت إيلينا تنزع انتماءها لكل شيء قشرة قشرة، حتى أصبحت لا تنتمي لأحد، مقصية وواقعة في فخ الوحدة القاتل، وكان «الحشيش» يجعلها أكثر انفصالاً وبعداً، كانت كمن يعيش على سطح غيمة ويرى العالم من علو شاهق، يرى كل شيء، لكن لا يمكنه أن يلمسه أو يتواصل معه!

حين أرادت أن تمنح نفسها قرباً من الحياة والأشياء، هي المقصية والمنبوذة، والتي ما عاد أحد يهتم بوجودها، وأن تشعر بأنها مرئية كغيرها، وأن هناك من يهتم بها، استأجرت تحرياً خاصاً ليراقبها ويكتب تقريره عنها ويرسله لها على صندوق بريد استأجرته خصيصاً لذلك، لماذا؟ لأن الوحدة كصحراء من ثلج، بياض لامتناهٍ، قاتل وسرمدي ومخيف، لا يختلف عن الحياة فوق غيمة!

 

طباعة Email