كي تمر العاصفة!

هناك فرق بين التأقلم مع الظروف بهدف تمريرها بسلام، وبين الاستسلام لإكراهات هذه الظروف تجنباً لأي جهد أو مقاومة لتغييرها، هذا الفرق له علاقة بدرجة فهم الإنسان وموقفه من حرية الاختيار والقرار وأمور القدر التي يصعب تبديلها أو إيقاف سطوتها، فنحن نستسلم ونقبل ونرضى بموت أحبتنا ورحيل أهلنا، وبعض الخسارات المالية، وفقدان أصدقائنا أحياناً وهكذا، باعتبارها مما يندرج تحت وصف الأقدار التي لا يد لنا فيها ولا قدرة على تغيير مسارها، لذلك نقبلها بلا مقاومة، تماماً كما نقبل ما تمليه علينا القوانين والاعتبارات الاجتماعية التي قد تعرضنا مخالفتها للعقاب!

نحن نقبل بذلك ونستسلم ليس لأننا انهزاميون، ولكن لأننا ندرك القوة التي تمتلكها الأقدار والقوانين، وما تمتلكه الحياة حين تقرر أن تعبر أي طريق، لذلك فإننا نوسع لها كي تمر بسلام لا أكثر، خاصة حين يكون ذلك خيار الجميع، فالحياة مثلما تمنحنا خياراتنا الفردية التي نتباهى بها، فإنها تطالبنا بالخضوع لقرار المجتمع أو للإرادة العامة.

ذلك أمر مختلف تماماً عن الاستسلام السريع والاعتياد المجاني أو القبول بأي سلوك طارئ أو تعاملات ظرفية قاهرة، فكما أن من علامات الإنسان الفارقة قدرته على التأقلم حفاظاً على بقائه، فإن من أقوى علاماته كذلك قدرته على المقاومة حفاظاً على حقوقه، لذلك على أي إنسان ألا يتخلى طوعاً وبسهولة عما يحبه وما اعتاد عليه وما هو حقه في الحياة، لأن ذلك سيعرضه لفقدان نفسه بالتدريج ومن ثم إلى الأبد، فكلما تخلى عن شيء يحبه، أو عود نفسه على النظر لفقدان من وما يحب باعتباره أمراً عادياً أو سهلاً، ابتعد عن نفسه حتى تصبح حياته خالية من كل معنى وروحه خالية من كل قيمة.

فلا تتعود على ما لا تريد وما لا تحب، وذكر نفسك دائماً بأنك إنما تتأقلم مع الظروف مكرهاً كي تمر العاصفة بسلام!

طباعة Email