إنه الإنسان!

إن أكثر ما يلفت الانتباه ويدفع للتفكير والتدبر في الأوقات العصيبة التي يمر بها الإنسان أو المجتمعات عامة، كأوقات الحروب والأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية وكجائحة كورونا المزلزلة التي يصارع العالم بكل قوته لعبورها والانتصار عليها، وأكثر ما يدفع العلماء للبحث والدراسة هو: سلوك الإنسان في ظل الكوارث، واللغة التي تتولد نتيجة التبدلات والمستجدات الطارئة التي تتغلغل في حياتنا دون إرادتنا لكنها إرادة الصيرورة والاستمرارية!

فقبل عام من اليوم جلست مجموعات من البشر تعد بالملايين، وبمنتهى الهدوء والثقة وفي ذلك الأمان الذي كانوا يحظون به ليقولوا جميعهم بلغات وطرق تعبير مختلفة، لكنها تنتهي للمعنى نفسه والذي خلاصته إنهم لا يتصورون أن حياتهم يمكن أن تتبدل أو أنهم يمكن أن يتخلوا عن كذا أو يقبلوا بكذا أو يمتنعوا عن ممارسة كذا أو ألا يلتقوا ولا يسافروا ولا... لطالما أكدوا بإصرار غريب على استحالة التخلي عما ألفوه، وكانوا صادقين بدرجة أو بأخرى، لكنهم قليلو الخبرة بأحوال الدنيا!

بين ليلة وضحاها تغير كل شيء.. وتحديداً ذلك الإحساس بامتلاك القرار والقدرة على فعل شيء، لقد صار كل ذلك خلفنا تماماً، وما كنا نؤكد على استحالة قبولنا به، صرنا نمارسه كل يوم، بل واعتدنا عليه حتى صار جزءاً من حياتنا، ذلك ليس بالأمر السيء، بل على العكس تماماً، إنه علامة الإنسان الفارقة المتمثلة في قدرته على التأقلم والتعود!

لقد تأقلمنا، وأنتجنا حياة تتسق مع إكراهات هذا الانقلاب، كما أنتجنا لغة ومفردات لم نكن نستخدمها أو نعرفها سابقاً، وبدل إصرارنا على رفض ما غيّر حياتنا صار الكثيرون ينظرون له بتقدير باعتباره الصدمة التي أنارت لهم سبلاً وطرقاً لم يكونوا يعرفونها أو منتبهين لها من قبل إن في العمل أم في طرق الوقاية وإجراءات التنقل والسفر، وفي مختلف أوجه الحياة. إنه الإنسان وليست الكارثة!

طباعة Email