حين نكسر وتر الدائرة

تقول صديقتي: أصبحت لا أحتمل المناقشات المطولة وكثرة الجدل، أميل كثيراً للصمت، وحين يحتدم النقاش حولي، أكون آخر المتحدثين، وإذا وجدت الفرصة أكون أول المنسحبين، لا رغبة لي في أن أقنع أحداً بشيء أو أودع دماغي عند أحد ليملأه بما يريد، أفضل مغادرة الطاولة مبكراً.

استمعت إليها بقلق، بل بقلق شديد، لأنني أعرف أي نوع من الصديقات هي، وتذكرت أن معظم الناس في هذه الأيام وفي غيرها يركضون صوب الحوارات، وغرف الدردشة، وجلسات «الزووم» والملتقيات الأدبية، كما يسعون إلى المقاهي والسفر وتجمعات الأصدقاء، إنهم يسعون بدأب نملة إلى من يسمعهم، إلى ما نسميه في دارجتنا المحلية «الونس» أو الاستئناس بالآخر.

وراجعت قناعتي وأنا أستمع إليها حول حقيقة كون الإنسان كائناً اجتماعياً، مستطيعاً بغيره، وكأن علة وجوده مرتبطة بوجود آخر، يكمله ويعززه ويشكل امتداده، كائن وجد وفي تكوينه خاصية التواصل الفطري، وحين يذهب للوحدة فإنه يكون مضطراً، أو حين يلجأ للصمت فلا يفعل ذلك إلا على طريقة استراحة المحارب؛ لأن الآخرين يمكنهم أن يشكلوا عائقاً مكثفاً بينك وبين نفسك أحياناً، وقد يعطلون تواصلك مع طاقة الكون التي تحتاجها.

لكن هذا الإنسان نفسه سرعان ما يعود ليلقي بنفسه في لجة الناس ويوميات الحياة، أياً كان نوع تلك اليوميات ومستواها، ثقافية أو سياسية أو عادية وبسيطة، فالأمر في نهايته يرتكز على الاحتياج والنزعة، والحياة نزعة أكيدة للتواصل، ولذلك خشيت أن تكون صديقتي قد أصيبت في نزعتها تلك.

إن من أسوأ الأشياء التي نفعلها في حياتنا هو عدم أخذ قرار الابتعاد عن الأشخاص الذين يؤذوننا متعمدين استغلال المحبة المخبوءة في داخلنا تجاههم، دائرة المحبة التي تحكم محيطها علينا وتلزمنا؛ لأن نستسلم للأذى، نحتاج أن نكسر ضلعها كي نستمر.

 

طباعة Email