الذين ينتظرون الحياة

كثيرون حولنا، وقد نكون نحن أحد هؤلاء الكثيرين، الذين يعيشون وكأنهم يتدربون على العيش أو على فعل الحياة، كأنهم يملكون خيار الوقت الفائض، أو المؤجل المضمون، الذي يدخرونه لوقت الحاجة، كمال فائض مدخر للأيام الصعبة.

كأننا أو كأنهم على وشك تمثيل دور محتمل على خشبة المسرح، وكأن الحياة ستكون متاحة لنا لاحقاً وإلى ما لا نهاية، حتى إذا انتهينا من انشغالاتنا وسعينا للمكانة تفرغنا لنعيشها بذهن رائق وجسد خلو من كدمات المنافسات والسقطات!

كأن الحياة نصاً نكتبه، وبإمكاننا أن نفكر فيه على مهل، وأن نمسح ما لا يروق لنا، أو نزيد أو نغير في التفاصيل التي ليست على هوانا قبل أن يصير فيلماً ويدخل إلى دور العرض.

نعيش الحياة أحياناً وكأننا نملك فرصاً لا محدودة في لعبة الحياة، وكأن دفاتر الأيام قرارنا، مع أن فرصة واحدة فقط للحياة هي فرصة الميلاد التي جاءت معنا، وعلينا أن نستغلها حتى آخر نفس، وبعدها لا فرصة أخرى.

نعيش كأننا أشخاص آخرون نحاول أن نمثل أدوارهم بدقة، ننسى ما يتوجب علينا أن نقوم به، ننسى ردات فعلنا الطبيعية تجاه كل فعل يوجه لنا، نتخلى كثيراً عن أنفسنا شيئاً فشيئاً، تماماً كما ننزع ثيابنا قطعة قطعة ونندسّ في الفراش عراة، نحن نتعرى منا بإرادتنا، لأجل الآخرين، ولاعتبارات لا تعد ولا تحصى، ويوماً بعد آخر يعجبنا ذلك التخلي، أو نعتاده، دون أن ننتبه!

لا ننتبه أننا نتعرى من ذواتنا وحقوقنا، من غضبنا وصراخنا وجنوننا، أحلامنا وتمردنا، من كل شيء يجعلنا نحن على حقيقتنا، مختلفين عن أصدقائنا، وأبنائنا، وعن قطع الخشب وتماثيل المتاحف وأرجل الطاولات والملاعق والشموع و..

في الحقيقة: نحن نخاف، ومن يخاف لا يعيش الحياة، لذلك يمثلها.. يقاربها، يجاملها، أو يعيشها كأنها بروفة، بانتظار حياة أخرى لن تأتي!

 

طباعة Email