من يعلمنا القراءة؟

قرأت عناوين لافتة لكتب أجنبية مترجمة للعربية لم أجد لها شبيهاً في النتاج العربي، والأمر يبدو طبيعياً لعدة أسباب، منها أن النتاج المعرفي الغربي على وجه العموم يعتبر أكثر تنوعاً؛ لأنه يخدم قطاعاً هائلاً ومتنوعاً من القراء المتشعبين في اهتماماتهم ومستوياتهم: كباراً وشباباً وأطفالاً وعلى اختلاف بيئاتهم ومقدراتهم.

وفي الغرب يعتبر الكتاب إمبراطورية قائمة بحد ذاتها ترتكز على قاعدة مالية ضخمة، ومستندة إلى إرث ضخم من المناهج والكتاب والفلسفات والقراء العظام الذين أسسوا لعلاقة وسلوك عميق عند الفرد والمجتمع معاً حتى غدت القراءة طقساً ومشهداً عادياً في تلك المجتمعات.

لذلك فهذه الصناعة لا تعترف بمقولة «الجمهور يريد ذلك» من زاويتها التجارية، ولكن من زاوية الالتزام الاجتماعي والإنساني الذي يحتم على الحكومات والمجتمعات توفير مقوماتها للأفراد، وحتى وإن كانت هذه إمبراطورية صناعة الكتاب ترتكز إلى مبدأ تجاري أولاً وأخيراً، إلا أنها مطالبة بالقيام بمسؤوليتها تجاه الفرد والمجتمع، فيما يتعلق بتقديم المعرفة الأصيلة والنافعة

بمنطق الإتقان والجودة والتطوير، وليس على طريقة الغوغائية أو العشوائية والفوضى وانعدام المستوى!

معروف أن السوق يتبع أمزجة الناس وميولهم ونزعاتهم الحسية والاستهلاكية، ومن هنا يتبع عدد كبير من الناشرين هذه الأمزجة، طالما تدر لهم أموالاً هم في أمسِّ الحاجة لها ليتمكنوا من الاستمرار، خاصة وإن منطق العمل الاحترافي ليس سائداً بمعناه العلمي المدروس.

لذلك، لا نستغرب حين نرى أن كثيراً من دور النشر ظلت عقوداً لا تعرض سوى كتب التراث الديني، وأحياناً كتب السحر والطهي والأبراج والشعوذة أو الروايات التافهة و.. و..، فإذا سألت البائع عن السبب قال لك: «هذا ما يريده الناس»!

في علاقتنا المتشعبة بالكتاب أفراداً وجماعات ودور نشر، نحن بحاجة لمراجعة الكثير من القناعات والسلوكيات الخاطئة، فكثير ممن يحضرون لمعارض الكتب لا يعرفون ماذا وكيف يشترون كتاباً يناسبهم ويفيدهم ويمتعهم في الوقت نفسه!

طباعة Email