السكون الذي نحتاج إليه

في الحياة عامة، وفي تفاصيل الوقت العادي الذي نعيشه جميعنا، لا يستطيع الإنسان، على ما يبدو، أن يحظى بالسكون الذي يحتاج إليه، وتدريجياً، يعتاد على الضوضاء أو الضجيج، حتى يصبح هو القاعدة، ثم يقنع الإنسان نفسه بفكرة أن الضوضاء هي المرادف الحقيقي لحيوية الحياة، وأن السكون هو اللا فعل والفراغ، وأحياناً الموت، وشتان، كما يقول الصينيون، بين السكون وبين ألا تفعل شيئاً.

ولو أننا خرجنا من شعورنا بأننا مركز العالم، وتأملنا في حركة الكون، سنجد أن أكثرها جمالاً وعبقرية، تحدث بهدوء، بلا أدنى صوت، وبسكون تام، فلا شروق الشمس ولا غروبها يحدثان بضجيج، ولا انسكاب الظلمة ولا انهمار الضوء فجراً، يعلنان عن نفسيهما بأدنى صوت، كل شيء يحدث بسكون لا يضاهى!

لماذا يعتبر الإنسان متوتراً، ما لم يحظ بشيء من السكون لنفسه، بعد يوم حافل بالعمل؟ لأنه يتعرض خلال يومه للكثير من الضجيج المدمر، ذاك الذي يضرب كيانه وأجهزته كلها، ضجيج الأصوات بجميع مستوياتها، وبلا توقف: حركة الشارع، أبواق السيارات، نقاشات العمل الحادة، المتطلبات الضاغطة، الخوف من الفشل، التوتر والقلق على العائلة والمكانة.. إلخ.

وحتى الحديث اليومي للإنسان مع نفسه، لا يخرج عن كونه نوعاً من الضجيج، لأنه لا يخرج عن الخوف والشعور بالإثم أحياناً، وبالقلق، وضرورة التحدي والصراع، وبعدم الإحساس بالأمان، و...، وكلها أحاديث سلبية في معظمها، وهي رغم أنها تدفعنا للتحدي وتقوية آليات دفاعنا عن كينونتنا، إلا أنها تنهكنا في نهاية المطاف، فنحتاج لكثير من السكون!

إن الخوف سبب رئيس من أسباب الضجيج في حياتنا الداخلية، أما السكون، فيقوي قدرات الإنسان، ويجعله أكثر تحرراً وتحكماً في نفسه، وفي تفاصيل ما حوله، السكون بمعنى القوة، وليس العجز واللا فعل!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات