عربة اسمها الحياة!

يعيش الإنسان السنوات الأولى من عمره مكتشفاً، يتلصص على الحياة بنزق ودهشة من أكبر ثقوبها، ثم يحالفه الحظ في العثور على فرص لا تعوّض في الحصول على الحب والأصدقاء والمال، تساعده سلاسة الأيام والعمر كي يكون كائناً خفيفاً حقاً، يتنقل بين كل المفاصل بسهولة من منزل لآخر، من وظيفة لأخرى، وأحياناً من مدينة إلى أخرى، دون أن يتلفت حوله كثيراً، أو ينظر خلفه طويلاً!

وحين يراكم الكثير من الإنجازات يكون قد وصل للسنوات الثانية، فيبدأ بالتلصص على الحياة من ثقوبها الكبيرة نفسها، ولكن بكثير من الحذر!

فحينما لا يكون لديك ما تخسره يكون قلبك جسوراً بما يكفي لتشعر كما يشعر عصفور حر أو طفل، لكنك حين تتعلق بالأشياء والذكريات والإنجازات، وحين تتدافع وتتصارع كما تفرض عليك الحياة، عندها تصير كائناً حذراً جداً، ولا تعود الأيام، ولا العمر سلساً كما كان، ولا تعود أنت كائناً خفيفاً أبداً.

وهنا تهلّ السنوات الثالثة في عمرك، سنوات تجعلك تغادر الطفولة إلى غير رجعة، فتتلصّص على الحياة من ثقوبها الضيقة، ولكن بكثير من الخوف: الخوف من الوحدة، الفراق، الاحتياج، ومن الخذلان، والمرض والموت.. إلى آخر هذه المخاوف الوجودية الكبرى التي لم نعرفها ولم نعِها في سنواتنا الأولى، ولذلك لم نكن نفكر فيها أبداً. هذه المخاوف تغتال شغفنا بالحياة، فبمجرد أن تضع قدميك في نهر القلق والمخاوف تغادرك الطفولة ويفارقك الشغف إلى الأبد!

يكون محظوظاً من استطاع امتلاك قلب جسور ومتخفّف ليتمكّن من مواجهة الحياة بلا خوف، لكن هل نقدر؟ ذلك هو السؤال والمواجهة الأزلية للإنسان منذ فجر وجوده. ولأنه سؤال وجودي، فقد ناقشته وكررته مراراً، لعلمي بأنه يشكل هاجساً حقيقياً لنا جميعاً!

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات