التاريخ السري للرواية

في عام 2012، أي في فترة فوضى ما بعد الثورة، أعلن رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق المصرية أنه تقدّم ببلاغ للنائب العام لملاحقة المتسبب في تهريب مخطوطات نجيب محفوظ خارج البلاد دون إعلام الدار، بحسب ما ينص عليه قانون المخطوطات.

قضية البلاغ حول عرض مخطوطات محفوظ في المزاد كانت المصادفة التي فتحت الباب للناقد محمد شعير لتتبع «سيرة حياة» واحدة من أشهر روايات نجيب محفوظ وأكثرها إثارة للجدل والخلاف، هي رواية «أولاد حارتنا»، هذا التتبع الدؤوب على مدى سنوات وعبر أربع قارات، كما حكى بنفسه، أنتج في نهاية الأمر بحثاً متكاملاً في تاريخ الرواية وتطور شخصياتها وأسلوب الكتابة الذي اتُّبع في إنتاجها منذ ألف الفكرة إلى ياء النشر في الأهرام عام 1959، ومن ثم رحلة الآلام التي تلخصت فيما لحق محفوظ من متاعب واتهامات وهجوم وصل إلى حد التكفير ومنع الرواية من الصدور، وصولاً إلى محاولة اغتياله ذبحاً على يد متطرفين دينيين سنة 1995!

أما اليوم، فيكتب معظم الكتّاب والأدباء والروائيين نصوصهم على أجهزة الكمبيوتر والأجهزة الذكية، حيث تحتفظ الأجهزة بالمخطوطات الرقمية، دون أن تمر بتلك الخطوات المعملية التي يجريها الكاتب «القديم» على نصه من شطب وتعديل وتغيير حتى يستقر قراره على الصياغة النهائية التي تعني أن النص أصبح جاهزاً أو «مبيضاً»، يصلح أن يوضع بين يدي الناشر، ليقرأه على مهل مع فنجان قهوة مركّزة!

اليوم، لا مخطوطات ستودع في خزائن دور الكتب الوطنية أو تُسرق، وتهرَّب إلى منصات المزادات العالمية، فقد ضيَّعت علينا ثورة التقنية تلك الفرصة النادرة للوقوف على المراحل التي تسبق صدور العمل الأدبي في صورته النهائية، فرصة الدخول إلى معمل الكاتب أو مطبخه للتلصص على تفاصيل العملية الإبداعية لديه، كيف يكتب أعماله؟ كيف يفكر فيها؟ ما المراحل التي مر بها العمل والتعديلات التي طرأت على الشخصيات والكلمات والعبارات؟

مخطوطات الأعمال الروائية ليست مجرد أوراق شهدت الولادة الأولى للعمل وانتهينا منها، إنها تاريخ غير معلَن لحياة كاملة للنص الابداعي، وهي العلاقة السرية بين الكاتب وعمله!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات