سلطة الفن

الذين قرأوا الرواية الإنجليزية الشهيرة «دكتور جيكل ومستر هايد» ربما لا يزالون يتذكرون ما قاله «د. جيكل» في رسالة الاعتراف الأخيرة عن تلك الأحداث الغامضة التي كان بطلها رجلاً غامضاً يدعى السيد هايد.

بينما في الحقيقة هذا الرجل هو نفسه الكيميائي النزيه مستر جيكل، ما جعله يقر أن الإنسان لا يمكنه في نهاية الأمر سوى أن يخضع لمصيره المحتوم مهما حاول أن يحتال أو يجتهد أو يفعل المستحيل ليغيّر مسار قدر مكتوب أو متغلغل في أعماقه!

في متحف تيت للفن في العاصمة لندن، خطّت إدارة المتحف قصة وكفاح الفنان «هنري مور» النحات والرسام الحداثي الإنجليزي الذي عاش في الفترة ما بين (1898 ــ 1986)، الذي يعتبر أحد أعظم نحاتي بريطانيا، وتنتشر أعماله في كثير من مدن العالم، كما أنها تملأ متحف تيت للفن البريطاني.

نشأ هذا الفنان في أسرة حدادين، والده ووالدته يعملان في مناجم الحديد، منزله وكل ما يحيط به يشي بهذه الحرفة، وكلما نظر والده إلى يديه المتسختين بسواد الحديد ازداد إصراراً على أن يبعد ولده عن هذا المجال، لذلك اجتهد أن يدخله أفضل المدارس ويختار له أفضل المعلمين، إلا أن القدر يسبق خطى الإنسان ويسابقه ويستقر هناك، وينتظره ليلقاه ويصير مصيره ومستقبله!

أراد له والده أن يكون ذا شأن آخر، فكان هنري مور فناناً يصنع تماثيله وأعماله الكبيرة من البرونز تحديداً، لكنه حين أراد أن يُدخل هذه الأعمال إلى هذا المتحف لأول مرة تحداه مدير المتحف بشكل عدائي عام 1938، ووقف في وجهه متحدياً، وقال: «لن تُدخل أعمالك إلى Tate ولو على جثتي»!

ولأن موهبته كانت نبوءة معلمته وإصرار والده وقدر دمه وعائلته، فقد أصبح لهنري مور، ابن الحداد الفقير الذي ثار على قوالب الفن التقليدية، 634 عملاً من البرونز والرخام في هذا المتحف الشهير، الذي كان حكراً على أساطين ومشاهير وكبار فناني الرسم والنحت، لكن سلطة الفن تنتصر لأصحاب الاستحقاق والحق، فهم الذين ينتصرون ويُذكرون ويخلَّدون!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات