الرواية المحرمة

بعد أن انتهيت من قراءة كتاب الناقد المصري محمد شعير «أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» وضعت الكتاب جانباً وانهمر من رأسي شلال من الأسئلة وعلامات التعجب.. والخوف! أما الأسئلة فتموج بها صفحات الكتاب، وأما علامات التعجب فتتسق مع الخط النقدي المعلوماتي الثري والأسرار التي لا يعلمها معظمنا عن أحداث وسياقات الرواية ومنعها وتحريم نشرها في مصر، وعلاقة السلطة ورجال الدين والمثقفين بكل تلك الكراهية والتأليب ضد الرواية وضد مؤلفها.

وأن يدفعك كتاب للتساؤل أو يستفز في داخلك حاسة الاستغراب والحيرة، فتلك أمور مطلوبة بل ومستحبة للقارئ على الأقل، أو لنقل للقارئ الباحث عن الأسئلة أكثر من الإجابات، فما أكثر الإجابات الجاهزة والمعدة سلفاً والملقاة كالأفكار المستعملة على الطريق، لكن الأهم هو التفتيش في داخل النص وبين السطور عن الأسئلة دائماً، عن الأسئلة وليس عن النيَّات.

البحث عمن يجرؤ على طرح السؤال، تلك هي المعضلة في واقعنا العربي، هذه المعضلة التي أوجدت رواية بحجم وحساسية وخطورة «أولاد حارتنا»، والتي حولتها إلى العدو رقم واحد في فترة الستينيات وما بعدها، وربما حتى اليوم للمتطرفين والمتشددين، حيث قُرأت بطريقة ما خُلط فيها بين كونها عملاً أدبياً يقدم رؤيةً وأسلوباً رمزياً جديداً لنجيب محفوظ، وبين المقدسات الجليلة في المجتمع العربي، فخلطوا بذلك المحرمات كلها ليتم تحويلها إلى رأس حربة مسمومة وُجهت لحياة محفوظ حتى كاد يفقد هذه الحياة بسببها، بتلك الضربة الغادرة من سكين حادة غرسها متطرف في عنقه ذات مساء وهو متوجه لندوته الأسبوعية.

لقد قيل يومها إن محفوظ زنديق مرتد وكافر ومتجرّئ على الذات الإلهية، والأنبياء، وقد ذهب أحد الشباب مشحوناً مستفزاً بعد كل ما سمعه إلى حيث يسكن الأديب لاختطافه، لكن لظروف خارجة عن إرادته لم يتمكن من خطفه فوجد أنه من الأسهل غرس سكين في عنقه وتخليص المجتمع وحمايته منه! في المقابل قدم محفوظ للقاتلين بعد نجاته مجموعة من كتبه وعليها هذا الإهداء: «لن يحمي المجتمع إلا العلم والثقافة».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات