الفن والسلطة 1-2

كلنا نتذكر تلك الطوابير التي بلا نهاية من الشباب الواقفين بانتظار أن يُقبلوا في مسابقات المواهب الفنية التي تعلن عنها بعض الفضائيات العربية بين الفترة والأخرى، آلاف يأتون من مختلف بقاع الوطن يبحثون عن فرصة لطالما حلموا بها، أن يجدوا لأنفسهم موطئ قدم في دنيا الفن، ولأجل هذا الحلم، أو الوهم، أو المستحيل، نجدهم يحتملون الكثير من التعب والمعاناة، وأحياناً السخرية والرفض من قبل لجان التحكيم!

فما الذي يسعى إليه هؤلاء الشباب؟ عن ماذا يبحثون في حقيقة الأمر؟ ما هو ذاك الأمر المعجز الذي سيحققه لهم الفن، في اعتقادهم، إذا ما تمكنوا من دخول عالمه السحري، وهو ما تعجز الشهادات والجامعات عن تحقيقه؟ هل هو الشهرة، المال أم ماذا؟

لنتساءل: ما أكثر وأهم ما يسعى له الإنسان في حياته؟ أليس النفوذ والسلطة؟ ألا يحقق الفن هذه الغاية كما نجد ونتابع؟ إذن فالفن في وجه من وجوهه الحاسمة يعد سلطة حقيقية لا تقل عن أي سلطة أخرى نعرفها، إن لم تتفوق عليها جميعاً! ولنسأل أيضاً: هل يحظى أحد في أي مجتمع بالاهتمام والتبجيل والرعاية والترحاب والإعجاب مثلما يحظى به أهل الفن المبجلون منهم تحديداً؟ لقد كان الرئيس جمال عبد الناصر يحضر شخصياً وطاقم مكتبه السياسي إلى حفلات أم كلثوم، ويستقبلها الحكام كأي حاكم أو رئيس، وتُمنح الأوسمة العظيمة! لماذا؟ لأنها كانت تقود الجماهير بصوتها أكثر مما تفعله خطب الرئيس!

هل يتهافت الشباب اليوم على أحد كما يتهافتون على شراء منتجات الفن: الصور والأفلام والأغنيات، وحين يُراد لمنتج أن يروَّج أو بضاعة أن تصل إلى كل الناس، فبمن تتم الاستعانة لتحقيق هذه الأهداف؟ بمشاهير الفن حتماً وليس بمشاهير الأدب! لماذا؟ بسبب نفوذهم على الوجدان والشعور الجمعي للناس بمختلف شرائحهم، لأن الفن في حقيقته سلطة ضاربة ومؤثرة جداً!

إن هذا النفوذ والتأثير، غير المفهوم لبعضنا، يطرح أسئلة كثيرة عن معنى الفن ومعنى السلطة، والعلاقة الجدلية بينهما!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات