العجوزان

ذكّرتني رواية «العجوزان» للكاتب المصري جار النبي الحلو بكلام تلك الفتاة التي كانت تتحدث عن جدتها التي سألتها قبل وفاتها بفترة: ما أكثر ما يضايقك في هذا العمر يا جدة؟ أغلبنا يعتقد أنه المرض والعجز، وذلك أمر مؤكد بلا شك، لكن الفتاة ذكرت أن جدتها أسرَّت لها بأن وفاة صديقات عمرها، الواحدة تلو الأخرى، وبقاءها وحيدة تنتظر لا شيء كل يوم، وتحسب الوقت للخلاص من هذا الانتظار، كان أقسى ما مر بها في سنواتها الأخيرة!

تقول الجدة: «كنت أعلم أنني كبرت على كل شيء حولي، كنت عجوزاً بما يكفي لأغادر، وأعلم أن العمر بيد الله، لكن المسافة تزداد كل يوم بيني وبين ما حولي، كان شعوري خليطاً بين الغربة والحزن!». تعلّق الفتاة: «بالتأكيد، كانت جدتي غريبة أمام كل الأشياء حولها، أتخيلها الآن كشخص استيقظ فجأة ليجد نفسه في بلاد لا يعرف لغة أهلها»، وتتابع: «لكن أقسى ما كان يؤذيها أنها لم تكن تفهم كلام الصغار الذين يعيشون معها في البيت»!

وحدها صحبة العمر تنقذ هؤلاء الكبار من الشعور بالضياع والخوف والغربة التي يجدون أنفسهم فيها، لذلك يحرصون على «الرفقة الحلوة» مع أصدقاء العمر، وهذا ما يحكيه لنا المصري جار النبي في روايته القصيرة «العجوزان» عن «فايز» و«رفيق»، العجوزين اللذين قاربت بينهما الوحدة وتفرق الأهل وانشغال الأبناء، حتى أصبح كل واحد منهما أهل الآخر وعائلته، فأصبحا يساعدان بعضهما على تجاوز الأيام الطويلة التي ترهق أيام الشيخوخة مع أفول الصحة!

كان رفيق وفايز صديقي عمر وأيام دراسة وذكريات، وظلا معاً حتى شهدا أحداث ثورة يناير وفورة الشباب في ميدان التحرير، فشكّلا روحاً واحدة يحملان عن بعضهما بعض القلق والألم، يحتفظ كلاهما بالقدر نفسه من المشاعر تجاه الآخر، حتى اختفى أحدهما ورحل الآخر في إثره!

الرواية من ذلك النوع الذي يغوص في تفاصيل حالة إنسانية استثنائية لعجوزين في مدينة مكتظة بكل شيء، يراقبان العالم وهو يتغير من حولهما، ويغادران دون أن يشعر بهما أحد!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات