مئة عام من الإبداع

عندما تتجاوز الكتابة الروائية فعل الكتابة بمفهومه التقليدي إلى ما هو أكثر اتساعاً لتصل إلى فعل خلق حقيقي، فإننا بلا شك سنكون إزاء أكثر نموذجين روائيين يمثلان هذه الحالة وهما:

١- نجيب محفوظ في رائعته «الحرافيش».

٢- ماركيز في روايته الخالدة «مئة عام من العزلة».

فكيف كتب ماركيز ما كتبه في هذه الرواية؟ قال البعض -وهذا من أطرف ما قرأتُ حول رواية «مئة عام من العزلة 1967»- لابد أن ماركيز قد تلبَّسه الجن ليتمكّن من اجتراح هذه المعجزة الروائية، التي قبض فيها على الزمن في سيرورته المخيفة والمذهلة وبكل تلك السلاسة والإحاطة والعمق، ليمشى بنا مستحوذاً علينا كليةً، ومن ثم حوّلنا من مجرد قرّاء مُستلَبين، إلى شهود في منتهى اليقظة، وعلى امتداد «مئة عام» هي زمن الحدث بكل تبدّلاته وتحوّلاته، منذ اللحظة التي استنبت فيها ماركيز بذرة القرية (ماكوندو) على يد الزوجين (أورسولا وزوجها خوسيه أركادو بوينديا) الطموحين والمسكونين بأحلام العائلة الكبيرة والثراء والنفوذ، حتى اللحظة التي بدأت فيها الشرور تغتال الأحلام، والخطايا تسد سُبل الصلاح والحكمة، فاحترقت ماكوندو وتحولت إلى كومة رماد، ثم غدت نسياً منسياً كأن لم تغنَ بالأمس.

أما نجيب محفوظ فقد اجترح معجزته مرتين في «أولاد حارتنا 1959»، ثم «الحرافيش 1977»، حيث تفجّرت عبقرية الخلق السردي عنده مع تتبع سلالة «عاشور الناجي» منذ وُجد كبذرة أولى رضيعاً مُلقى في سلة على قارعة الطريق، وحتى كان ما كان من أمره وأمر أبنائه وأحفاده وأحفاد أحفاده مما ينتاب حياة الخلق في كل الدنيا وخلال «مئة عام» أيضاً!

كيف فعلاها؟ كيف جعلنا هذان الساحران شهوداً بينما كان الزمن هو الحكاية والبطل الحقيقي؟ وبحيث أقنعانا وبسحرية وواقعية تامة أن «ماكوندو» و«الحارة المصرية» هما النموذج والمعادل الحقيقي للعالم، هذه هي العبقرية والموهبة والمقدرة، وحيث لا اسم يمكن أن يُحيط بهذا التجلي كله!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات