سجون نختارها!

لا تأخذكم الأفكار بعيداً، فقد يكون المرء حراً طليقاً يتمتع بكافة الحقوق والحريات إلا أنه يقبع في سجون اختارها وارتضاها لنفسه، فبعض القناعات والأفكار التي نتمسك بها دون أدنى استعداد لمراجعتها أو فحص مدى صحتها تعد سجناً، والحياة باستسلام مطلق لمنطق وعقل الجماعة سجن، والخضوع لقناعات يفرضها علينا المجتمع فنرسم صورتنا من خلالها رغم عدم دقتها سجن، والتعرض الدائم لغسيل الدماغ من قِبَل صُنَّاع السينما وإكراهات الواقع سجن.. إلى آخر قائمة السجون التي نحملها في داخلنا ونتحرك بها ونحن نشق طرقاتنا في الحياة، دون أن تنتابنا أدنى رغبة في الخروج منها!

معظمنا لا يسمي تلك سجوناً ولا يراها كما رأتها دوريس ليسنج في كتابها «سجون نختار أن نحيا فيها» الصادر عن دار «العين»، بالاشتراك مع المركز القومي للترجمة في مصر هذا العام 2019، لقد لخَّصت الروائية البريطانية، التي حازت جائزة نوبل في الأدب عام 2007 وتوفيت عام 2013، فكرتها أو نظريتها التي تنصُّ على «أننا كبشر نمتلك اليوم كمّاً كبيراً من المعلومات عن أنفسنا، لا سبيل لإنكارها، ولكننا لا نستخدمها لتحسين مؤسساتنا وبالتالي حياتنا»، مستنتجةً أننا جميعاً نسجن أنفسنا وعقولنا في سجون نختارها ونُصِرُّ عليها، وبالتالي يصعب علينا تغيير واقعنا أو تحسين حياتنا وأداء مؤسساتنا!

دوريس صاحبة رواية «الإرهابي الصالح» التي أصدرتها عام 1985، والتي لخصت فيها فكرة التعرُّض لغسيل الدماغ والانجراف لخيارات مخيفة، فبطلة الرواية هي «أليس» الساذجة المتخبطة التي انجرفت في أعمال إرهابية مع مجموعة من المتطرفين في لندن، تؤكد أن الإنسان إذا انضم لجماعة ما فإن أصعب ما قد يواجهه هو أن يحتفظ برأي مخالف للجماعة، وعليه فإنه لا حلَّ أمامه سوى سجن الجماعة أو الخروج عليها، ولا يُفضِّلُ الناس عادةً هذا الخيار.

تقول: «حين نكون في جماعة ما، فإننا نَجْنَحُ للتفكير كما تفكر الجماعة، بل إننا التحقنا بها بحثاً عن أناس مشابهين لنا في المزاج والتفكير، أو لتحقيق مصالح يسهل الوصول إليها عبر الانتماء لتلك الجماعة».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات