بحثاً عن ذلك الذي لا يتكرر!

هناك أشياء في هذه الحياة لا تتكرر مرتين، فلا يمكننا استعادة الإحساس ذاته الذي شعرنا به عندما التقينا بشخص ما أول مرة، أو استعادة تلك الدهشة الغامرة التي استولت على أرواحنا بمجرد أن شاهدنا شيئاً لطالما كان حلماً بالنسبة إلينا (كاليوم الذي وقف فيه أحدنا صغيراً أمام الأهرامات، أو ذلك اليوم الذي مشيت فيه للمرة الأولى في مدينة واشنطن، أو تلك اللحظة التي وجدت نفسي فيها أمشي في شارع بنسلفانيا وأقف أمام البيت الأبيض).

هناك شوارع، أمكنة، شواهد، أشخاص، أسواق.. وأشياء كثيرة رأيناها أو التقيناها لأول مرة، في عمر الدهشة ربما، جعلت نظراتنا معلّقة في منتصف المسافة بين أعيننا وما تقع عليه، ظلت تلك اللحظة هناك غائرة، نتذكرها لكننا عبثاً نستعيد حرارتها، دهشتها، أو صرخة المفاجأة حين دمعة فرح تتدحرج، وظل ابتسامة تتراوح بين الضحكة والبكاء، وفم فاغر لا ندري إن كان يجب أن ينطق بشيء أو يصمت!

هناك الكثير من هذه الأشياء التي لا تتكرر في الحياة مرتين، لا تُعاد ولا تُستعاد، لذلك ندمن تكرار النظر إلى صورنا، ننظر إليها، ونستعيد النظر، كأن جزءاً منا هناك لا يزال متسمراً في اللحظة نفسها التي التُقطت فبها الصورة، لذلك نبحث عن ذلك المختبئ فيها حين نعاود النظر إليها!

نحاول استعادتنا، استعادة أحاسيسنا لحظتها، مشاعرنا، تدفق ضحكاتنا، رائحة العطر الذي وضعناه، الثياب التي كنا نرتديها، نحاول تذكر كيف كان الطقس، هل مرَّ هواء لطيف لحظتها، هل كان هنالك مقهى شربنا فيه قهوتنا قبل التقاط الصورة، هل سخرنا من بعض المارة، هل كنا نبحث عن محل يبيع الماء البارد أو المثلجات.

تغيب الأمكنة ربما، ويغيب الضجيج معها، وحتى الزمان يتغير، لكن اللحظة تبقى مزروعة فينا، طعم البهجة في قلوبنا، صوت عصفور يناجي آخر على غصن شجرة وحيدة تتكئ على جدار المقهى، هدير ماء الجدول، ذلك الصوت الذي يحدث حين تسقط ورقة أو يرتطم حجر بحجر، رائحة العشب على حافة النهر، برودة الماء وهي تلامس أقدامنا يوم قررنا أن نذهب بغدائنا إلى هناك لنتناوله قريباً من خرير الماء.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات