إذا فات الوقت..

الالتفات للوراء، إلى ذلك الحنين الخافت لأنه يحفر بتأنٍ مؤلم ومستمر، والصارخ لأنه يحفر مخلِّفاً ألماً عظيماً يشبه طعم رصاصة تشوي اللحم إذ تخترقه، هكذا يكون ألم الحنين حين يضج في القلب، وتحديداً حين تتبع الخطوات التي مشيتها ذات عمر، كل خطوة وكل صوت وكل اسم، فكل التفاصيل هناك مرتبة كما تركتها، واحدة إثر أخرى، كأنك وضعتها في صندوق يشبه صندوق لعب طفلة لم تغادر البراءة بعد.

لماذا تجتاحنا تلك الرغبة الملحة أحياناً بالسير في أزقة الأمس بكل ما نمتلئ به من «كراكيب» وعقد وأثقال تركها الحاضر فينا؟ ربما هي الرغبة التي يشترك فيها كثيرون ويصرون على المضي فيها، برغم كونها متعبة، بل ومتعبة جداً، تشبه حريقاً في منتصف الطريق لا بد أن تعبره أو تمر فوقه، فلا تستطيع إطفاءه، ولا هو ينطفئ من تلقاء نفسه، ولا أنت يمكنك أن تكمل الطريق بثياب سليمة أو جسد لم يطله اللهب.

مع ذلك، فالإنسان حين يطرح أسئلته إنما يفتش عن سيرته وسيرة أهله، وسر الحياة الذي مر قريباً من بيت أهله، يفتش عن حكمة الحياة وجوهرها الذي توصل إليه أجداده وأسلافه وحاولوا أن يقولوه له، لكنه لم يستمع إليهم في الوقت المناسب، وحين مر الوقت عرف حجم الخسارة التي تكبدها فعلاً، حين لم يقف ولم ينصت ولم يقتنع بما أوصوه به، فصار يبحث ويفتش بنفسه ليصنع أسطورته وحكمته الخاصة التي على ما يبدو يتحتم على كل واحد منا أن يصنعها بنفسه، دون الاتكاء على وصايا الأسلاف أحياناً، خاصة حين يكون الوقت قد فات تماماً، وأُغلقت الأبواب على ساكنيها.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات