مختلفة.. لأنها مسكونة!!

كلما سألتني شابة أو شاب لديهما شغف بالقراءة، عن تلك الكتب التي قرأتها وأنا في مثل عمريهما، لا أتردد في الإجابة أبداً، بل أسترسل في تعداد العناوين وأسماء المؤلفين والمترجمين، كما لا أوفر تلك المواقف والحكايات التي ارتبطت بشراء أو استعارة بعض الكتب، كأن أتحدث عن أول كتاب اشتريته من مصر وفي الضئيل جداً وأنا طفلة في المرحلة الابتدائية، وأول مكتبة دخلتها، والكتاب الذي لا زلت أحتفظ به من تلك الفترة، وذلك الكتاب الذي نسيته على أحد مقاهي برلين، ثم عاد لي بطريقة غريبة، الكتب ذاكرة شاسعة والقراءة عالم ناصع من الذكريات مخبوء فينا لم نتحدث عنه بعد كما يجب.

لعل عبارة (الكتب أو الروايات المسكونة) أحد المصطلحات التي استوقفت البعض ممن يسألني عن العناوين اللافتة التي يمكن أن أرشحها له، وعلى ما في المصطلح من غرابة أو إثارة، إلا أنه واقعي جداً، فبالنسبة لقارئ مرت يده على آلاف الكتب، لا بد له أن ينتبه لذلك الأثر المختلف الذي تعامل به ذهنه وروحه وقلبه مع كتب دون أخرى، وأن يجد دائماً التفسير المنطقي أو الشخصي على الأقل لذلك الأثر المغاير!

الذين يقرأون باعتبار القراءة أسلوب حياة يعرفون بدقة ذلك التسلل الذي يشبه دبيب النمل، حين يتسلل كتاب بكامل عوالمه الغرائبية وأرواح شخوصه إلى داخله، فتسكنه تلك الأرواح زمناً طويلاً، وربما إلى الأبد!

هذه الروايات في حقيقتها وقبل أن تسكن وجدان قارئها تكون مسكونة بروح مؤلفها، وبأرواح كل الشخصيات التي تؤسسها وترفع أوتاد عوالمها وفضاءاتها، تلك الشخصيات التي اعتنى الروائيون بنحتها، وملئها بالغرائبية والاختلاف، كأبطال روايات نجيب محفوظ مثلاً، هل يمكن نسيان شخصية السيد عبد الجواد في الثلاثية، أو نسيان عاشور الناجي بطل الحرافيش، أو أفراد عائلة خوسيه بويندا في رواية (مائة عام من العزلة)، أو شخصية الزوج «دون رغوبيرتو» في (امتداح الخالة) لبارغاس يوسا، أو شخصية الزوجة الشابة التي ظلت زمناً تحرس زوجاً شبه ميت في رائعة عتيق رحيمي (حجر الصبر)؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات