أصحاب الصوت العالي

على امتداد جغرافيا العالم هناك دائماً كُتاب وكاتبات معروفون بأصواتهم الإبداعية المختلفة والعالية جداً، فيما يخص القضايا التي يطرحونها، فغالباً ما تثير آراؤهم جدلاً واسعاً في وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل، وقد سُئلت إحدى الكاتبات في دولة عربية حول رأيها في القضية المرفوعة ضدها أخيراً، بسبب رأي أدلت به، فأجابت بابتسامة: «أنا كاتبة ومهمتي أن أطرح آرائي بحرية، إن هذه الآراء قد لا يتفق معها الكثيرون، وقد يعجب بها كثيرون أيضاً، وهذا أمر طبيعي، أما أن تُرفع ضدي قضية رأي فلا أراه أمراً مسيئاً أو معيباً لأي كاتب».

فيما يكتبه كُتاب وكاتبات الرأي تحديداً، وفيما يدلون به من تصريحات يعدّها البعض صادمة، فإن الصوت العالي هنا بمعنى الشديد السيطرة والتأثير، وليس ذاك العالي بالمعنى المباشر والمادي الصاخب أو عالي النبرة، وهو وإن تسبب في إزعاج البعض، لكنه ليس الإزعاج الذي يشتت الهدوء، بل الذي يربك المصالح ويبعثر القناعات التي اعتاد الكثيرون على سيادتها وثباتها زمناً طويلاً!

«نظرية الصوت العالي» رغم وقعها السلبي ظاهرياً فإنها في الحقيقة قد تحمل دلالات تغيير جيدة، حين يخالف بها صاحبها أولئك الذين يحرصون دائماً على إبقاء صوتهم هامساً أو منخفضاً، فإذا أعلنوا آراءهم كانوا كمن يقدم رِجلاً ويؤخر أخرى، لا يتوافرون على تلك اللياقة الحقيقية للمواجهة واحتمال آراء الناس فيهم، وإقناع الآخرين بما لديهم، هؤلاء لن يكون صوتهم واضحاً، ولن تكون عتبة آرائهم عالية يوماً أمام المجتمع، ولن يكونوا أدوات للتغيير نحو الأفضل؛ لأنهم يضبطون آراءهم بحسب رغبات المجتمع وليس العكس!

إن الكاتب صاحب الصوت العالي بوعيه، والمختلف في إعمال عقله، لا يخالف الجماهير حباً في المخالفة؛ ولكن حرصاً على إضاءة الطريق لها، وحرصاً عليها، القضية ليست افتعال معارك إعلامية ليبقى الشخص في دائرة الضوء ومحل اهتمام الناس، القضية هي أن للكاتب دوراً محدداً هو صناعة الرأي وهندسة التغيير، وليس إثارة الزوابع والضوضاء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات