وأن تشم زهر الليمون!

يحلو لي أن أتلمس الأسطح الحجرية، أخطو على الحصى بقدمين عاريتين، أمرر يدي على الجدران الحجرية الخشنة، فملمس الحجر يعيدني إلى الأرض، إلى دفئها ورائحتها، وإلى أولئك الثابتين مثلها، أولئك الذين لم تجرفهم سيول الحداثة وخضات التغيير المتلاحقة التي لم تبقِ ولم تذر، في زمن لم يعد فيه أحد ثابتاً، فطوبى للذين أتقنوا الوقوف حين سقط العالم في الفراغ!

حين كنا صغاراً كان الطلاء الملون لجدران المنازل ثقافة غير معروفة، وفي حينا كانت كل البيوت بيضاء أو كالحة، لا وجود للأخضر والأزرق والأحمر ولون قشر البرتقال، هذه الألوان التي أصابتني بالدهشة أو بصدمة اللون حين لمحتها لأول مرة تضيء من بعيد عبر بيوت صغيرة بحدائق مزهرة تصطف على ضفة النهر في مدينة بعيدة!

في الحي الذي سكناه في طفولتي كانت الجدران صحف الحائط الأولى بالنسبة للصغار، كنا نجمع قطع الفحم ونبدأ في الشخبطة عليها، وحين ذهبنا للمدرسة صرنا نكتب ما يخطر ببالنا، دون أن نتورع عن كتابة الكثير من الشتائم! فكان من يجد اسمه على الجدار يبحث عن قطعة حجر يقذف بها من شتمه ليمحو الإهانة، كان الحجر نفسه الذي يحمل دليل إهانتك هو من يمحوها عنك، ما عليك سوى أن تقرر!

حين كبرنا قليلاً كانت أمي تصطحبنا للصحراء في إجازات الربيع، فكنت أتلذذ وأنا أدسُّ قدمَيّ في الرمال التي تشبه السكر الأحمر، وأظل واقفة يختلط إحساس الدفء بإحساس البرودة حتى أشعر بأن الرمال ستبتلعني فأسارع لانتزاع قدمَيّ.

أما في صباحات الشتاء فأسعى باكراً للسعة البرد المفتقدة، أسير على الأرضية الحجرية لحديقة أمي حافية القدمين، أقفز كطفل حينما أشعر بلسعة البرد، وأنتبه إلى أن تفاصيل جميلة في الحديقة أفتقدها، وأنا أمر بالقلق والضجيج والثرثرة والتوافه والغفلة والعابر واليومي طوال الوقت.

أتذكر الآن نظرة أمي لي في المساء وأنا أبحلق في شاشة التلفزيون كشخص غائب عن الوعي، كانت تريد أن تسألني عن رأيي في الكثير من التفاصيل، كذلك المقعد الأخضر البهي الذي أراحته بعذوبة تحت شجرة الليمون مثلاً!

يا لغفلتي لقد نسيت أن أشم زهر الليمون منذ زمن، وأن أنادي القطة الصغيرة باسمها، حتى تلك الأرجوحة تحت شجرة المانجا العجوز لم أتمرجح عليها منذ زمن، وأتساءل كعادتنا جميعاً: أين يذهب الوقت؟ هل هو الذي يمضي سريعاً، أم أننا نحن الذين لا ننتبه ونتوقف قليلاً عند الكرسي الأخضر لنشم زهر الليمون على الأقل؟!

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات