متحف الأيام البريئة

إذا ضاق صدر المرء بأمر، وما أكثر هذه الأمور، سارع كغريق إلى أقرب يد تمد إليه أو يخيل إليه أنها مدت إليه، إلى أكثر الأشياء التي يستريح لها وإليها، إلى مكان بعينه يعني له ما يعني، أو إلى شخص محدد وليس لأي شخص سواه.

كلنا ذلك الإنسان الباحث في لحظات الوهن عن قشة، أو صوت أو نصيحة، فالحياة لم تترك لأي منا فرصة التباهي بصفة (خالي القلب أو خالي البال) كلنا يضيق صدرنا بالفقد، وبالفشل، بالخسارات والتفاهات الكثيرة وانكسار الأحلام، بتعب الحياة الذي يبدو كنفق لا ضوء في نهايته، فنضيق بما نسمع، ونرى، ونتذكر، ثم يشرق الصباح حاملاً ضوءه، لكن حتى ذلك الإشراق ماذا نحن فاعلون؟

كنت أرى أمي في سنوات بعيدة مضت، وإذا أشرق صبح قضت ليله تعد همومها وتقلبها وقد أثقلت كاهلَها مسؤوليات حياتنا التي غدت صعبة بعيد رحيل والدي، أراها قد أزاحت أستار غرفتها، وارتدت ثياب خروجها، وتلفعت بالسواد حتى أخمص قدميها، لا يكاد يبين منها إلا أصابع يديها، تطلب سيارة أجرة أو تطلب من أحد إخوتي مرافقتها إلى حيث اعتادت أن تذهب لتتخفف من أحمال الهموم تلك، إلى ذلك الحي الذي ضاعت ملامحه وسط طوفان التحولات.

تلك هي والدتي التي لن أقابل في حياتي إنساناً وفياً لأمسه وذاكرته وأهله وحيّه الذي نشأ وتربى فيه مثلها، أكاد أتلمس بأطراف أصابعي خريطة المدينة موشومة على قلبها، تغمض عينيها وتسير بهدي الرائحة وجرس الأسماء التي تحفظها اسماً اسماً، تمشي في أحشاء ذلك المكان بعين ذاكرتها، بعين الذاكرة تتنقل كفتاة لم تغادر سابعتها، فأتعجب كيف تحتفظ الذاكرة بطزاجتها إلى هذا الحد، وكيف لإنسان أن يحرس أشجار أيامه بهذه الصلابة المرنة؟

ثم أخشى كثيراً ألا أكون في منزلة تليق بوارث ذاكرة كذاكرتها، ماطرة بالحكايات وأسماء النساء والرجال والعائلات والأساطير والخرافات، والحوادث التي جرت في تلك الأيام الصعبة، الحوادث التي تقال والتي لا تقال، أخشى أن أنسى ولذلك أكتب دائماً حتى لا يضيع مني الدفتر الكبير، دفتر حارس الأيام التي تقول أمي إنها جميلة.

أخذتني معها ذات صباح، ترجلنا وسط السوق، دلفنا من أزقة تفوح بأطعمة شرقية صارخة، يكاد زيتها يحرق القلب، مشيت حذوها، وكان يمشي من خلفي وأمامي بشر بأسماء لا تعرفها أمي، بروائح لا تحبها وبعيون لا علاقة لها بالمكان، كانوا يتزاحمون في طرقات المنطقة التي لم تكن بالنسبة لها كأي مكان آخر في دبي، كانت تمشي على أطراف قلبها لا على قدميها، تلك الطرقات الضيقة التي مشيتها معها كانت في «حي الراس» أحد أقدم أحياء ديرة وأحنها في ذاكرة أمي.

لا نعيش طبيعياً بلا ذاكرة أو حين نقطع صلتنا بها، لا يكون الإنسان معافى تماماً في روحه كما في جسده بلا ذاكرة، الذاكرة حياة ومتحف الأيام التي كانت بريئة.

تعليقات

تعليقات