لا تعد ولا تخلف ولا تدفع حياتك!

يقال إن المهاتما غاندي كتب في دفتر صغير يخصّ طالبة كان يزور مدرستها ما يلي: «لا تعطي أحداً وعداً وأنت تعلمين بأنه لا يمكنك أن تنفذيه، فمهما طال بك الزمن وجاء الوقت الملائم، فإن عليك أن تنفذي وعدك ذاك، حتى إن كانت حياتك هي الثمن»، وبلا شك فقد كانت العبارة عصيّة على فهم الطالبة الصغيرة، لكن ذلك لم يكن هو المهم، المهم أن الطالبة قد ارتبطت بوعد حقيقي لم تستطع تنفيذه في وقته، ولم تعرف كيف تتحرر منه لاحقاً، ومثل هذه الفتاة هناك الملايين ممن يقعون فريسة صراع من هذا النوع.

وفي المقابل، يحكى أن شاعر الهند الكبير طاغور قرأ أو ربما سمع عن هذه الحادثة، فكتب لتلك الفتاة ولملايين من الناس ما يلي: «لو اكتشفتِ يا صغيرتي أنك وعدتِ أحداً وعداً خاطئاً أو مستحيلاً، فانسيه تماماً، ولا تدفعي حياتك ولا غير حياتك ثمناً»، وكأنه يقدم حلاً عملياً من دون أن يعطي مبرراً لهذا الحل، لكن العبرة بسبر أغوار الممكن واللاممكن، ومآلات الغاية والنتيجة.

هنا، نحن أمام قضية أخلاقية مختلف عليها بين رجل انتهج المثالية طريقاً، وبين فيلسوف وشاعر ومسرحي وسياسي ومصلح اجتماعي وديني ومفكر كبير على مستوى الهند والعالم، لم ينل شهرته من فراغ، ولا استحق جائزة نوبل عبثاً، لكنه كان صاحب أفكار عظيمة تراوحت بين الواقعية والمصلحة الإنسانية.

اليوم لا يفكر الكثيرون بمصلحة الإنسان وقدراته، بما يعنيه ويصلح أمره، بما يتناسب مع متغيرات الزمن، لا يجتهدون قليلاً قبل أن يطلقوا آراءهم وفتاواهم وتحريماتهم المغلظة، لا ينظرون للظروف والتحديات، والأمر ينطبق على المربّين: الآباء والأمهات والمعلمين وغيرهم ممن يضعون الجميع تحت المطرقة والسندان، ويطالبونهم بالمستحيل أحياناً حتى ينفّروهم من أكثر المبادئ عظمة، لأنهم يقدمونها بشكل شديد القسوة والصرامة.

لا تقدم حياتك ثمناً لوعد، إن لم تقدر على تنفيذه، لأن حياتك هي الأهم، لا تستمر في طريق لا تحتمله ولا يلائمك، لأنك أهم من الطريق.. وقسْ على ذلك كل الخيارات والوعود والورطات.

تعليقات

تعليقات