ذلك المقهى الذي أغلق!

انتشر هذا الخبر على صفحات الفيسبوك «افتتاح أول مقهى للنساء في بغداد، نساء العاصمة يبحثن عن التمتع بالحرية والخصوصية»! وكان متوقعاً أن تتضارب التعليقات وردود الأفعال تجاهه، من أقصى تيار المحافظين الذين وجدوا في الأمر حفاظاً على العادات وتقاليد نبذ الاختلاط، إلى المتشددين الذين اعتبروه انتصاراً للدين وسداً لأبواب الفتنة ومآسي الاختلاط، إلى المعتدلين والليبراليين والذين وجدوا فيه تراجعاً غير مقبول لنهج التحرر والتطور في العراق خلال عقود طويلة مستنداً ومستفيداً من تعدد الثقافات والحضارات ووجود الاثنيات والديانات المختلفة التي غالباً ما شكلت فضاء رحباً لقبول كل الأفكار الجديدة التي تم تبنيها من قبل فئات المجتمع ذات المرونة الأيديولوجية التي لا تعارض تلك التغييرات كالاختلاط في المدارس، والمقاهي، وخروج المرأة وعملها في السياسة وقيادة السيارة... الخ!

إن تلازم المسارات هذا يؤكد دوماً على أن التعددية الثقافية في المجتمعات العربية ووجود شرائح تنتمي لديانات مختلفة وعرقيات مختلفة، أسهم دائماً وبشكل واضح في وجود فضاء مجتمعي واسع ومرن عمل على استيعاب الاختلاف وقبول التغيير بدون أي صدامات وتشنجات، كما كرس التسامح تجاه الآخر، وأزال هذا الخوف الوهمي الذي يشعر به غالباً أبناء المجتمعات أحادية التفكير إزاء الأفكار الجديدة وطبعاً إزاء التغيير أساساً!

اعترضت سيدة عراقية على ما جاء في القرار، واعتبرت وجود مقهى «للنساء فقط» تراجعاً حضارياً مؤلماً لمجتمع عرف الجامعات والمقاهي والشواطئ العامة منذ خمسينيات القرن الماضي، بينما انبرى أحد السادة ليبرر الخطوة باعتبارها حفاظاً على خصوصية النساء، فكان الرد أن الخصوصية لا تتم عبر الأسلاك والجدر العازلة، كان يمكن اتباع خطوات قانونية أخرى للحفاظ على خصوصيات النساء، لكن ليس على طريقة «مقهى للنساء فقط» يخدم توجهات الملالي والمتشددين!

أتذكر تماماً في مطلع سنوات الثمانينيات حين كانت المقاهي ومظاهر الحداثة تشق طريقها إلى دبي، أن افتتح أكثر من مقهى احتكره الرجال وكان صعباً من الناحية الاجتماعية تواجد النساء فيه، فكان أن افتتحت فتاة من دبي مقهى للنساء ليس على قاعدة العزل ولكن على قاعدة إتاحة الحق للنساء بالخروج والتواجد في فضاء عام ومحايد، وحين أصبحت المقاهي ظاهرة اعتيادية وتقبلها المجتمع بمرونة أغلق ذلك المقهى دون أن ينتبه له أحد!

تعليقات

تعليقات