الخروج من الإطار

قرأت أخيراً رسالة من صديقة لصديقتها تقول لها إنها تريد أن تلتقيها بعيداً عن كل أشكال اللقاءات المعلبة أو الملفوفة كعلب الهدايا، أو تلك اللقاءات الافتراضية، تقصد بعيداً عن تويتر والفيسبوك والواتس آب، والسكايب، بعيداً عن رسائل الإيميل والماسنجر والصور شديدة الأناقة وغير الحقيقية، المعروضة للفرجة والتباهي والتعويض النفسي!

كأنها أرادت أن تقول لها إنها تريد أن تلتقيها ببساطة وتلقائية هكذا كما يلتقي الناس العاديون وجهاً لوجه، في منزلها، أو في أي مقهى بسيط، كما يفعل الأصدقاء في كل الدنيا، أو كما يفعل الأصدقاء الطبيعيون الذين لم يستلبوا أمام التواصل الافتراضي أو التواصل عبر طاولات الرخام المصقولة، في تلك المقاهي، حيث كل شيء شديد البذخ، وشديد البرودة، وحيث الزبائن معنيون باستعراض «أشيائهم» أكثر من اهتمامهم بتفقد أحوال من يجالسونهم!

قالت لها أريد أن نتحدث عما بنا، عما نريد أن نقوله ونخجل أو نخاف من الآخرين أو من شيء ما، لا أريدك أن تحدثيني عن ثمن حقيبتك، ولا عن آخر عرس حضرته، وماذا كانت تلبس العروس، لا أريد أن أنشغل بهاتفي وبالصور، وتصيرين أنت شيئاً زائداً على الطاولة، كأننا التقينا وجلسنا معاً بطريق الصدفة أو الخطأ، صديقتي أريد أن أحدثك عني وأحتسي قهوتي معك وأنا أضحك ملء قلبي، وأن نثرثر كما كنا ونحن طالبات، حول أي شيء بعيداً عن التصنع، أريد أن نخرج أنت وأنا من الصور المفبركة ونصير أناساً حقيقيين كبقية خلق الله!

يبدو أنه كلما أمعن الإنسان في الهروب من نفسه واختلاق حياة افتراضية إيماناً بالتكنولوجيا وسعياً وراء الاستعراض والتباهي والتكلف، زاد شعوره بالقلق، والوحدة، والخوف من نفسه ومن الآخرين، وهو ما يجعله يبحث عن نفسه بشكل حثيث، وعن الآخرين كفرصة للخلاص من الخوف وردم تلك الهوة السحيقة التي تنشأ نتيجة ذلك التباعد وذلك الهروب اللامبرر، ليس الكبار فقط من يخاف من الوحدة بسبب المرض أو التقدم في العمر والعجز، فحتى الشباب والصغار يبحثون عن الأصدقاء ويسعون للتمسك بزملائهم ومجموعاتهم، إن الإنسان في نهاية اليوم ليس سوى كائن اجتماعي بسيط، مكشوف أمام نفسه، وضعيف جداً أمام حاجته أن يكون مفهوماً ومقدراً، وإن هناك من هو مستعد كي يسمعه ويحبه لأجله لا لأي شيء آخر!

تعليقات

تعليقات