هكذا كانت الوحدة !

في روايته «هكذا كانت الوحدة» يرصد الكاتب الإسباني خوان خوسيه مياس حياة بطلته (إيلينا)، تلك السيدة التي تلقت خبر وفاة والدتها ذات مساء، فحفظت وقت المحادثة بشكل غريزي، ارتدت ثياباً حرصت على تجعيدها من أجل الإيهام بأنها حضرت للمستشفى على عجل، دون أن تتمكن من البكاء، ودون أن تضع أحمر شفاه، أو تصفف شعرها!

(إيلينا) التي وجدت العالم يعبر قريباً منها دون أن يعبأ بحالتها، قررت للفت انتباهه أن تمنح حياتها معنى وحركة، فاستخدمت تحرياً سرياً ليراقب لها زوجها الذي اكتشفت أنه يخونها، فانتهى بها الأمر إلى تلقي تقارير سرعان ما ستمل منها، مكتشفة أن مأزقها أعمق من فعل الخيانة، ومن ثم كلفت المخبر نفسه بأن يراقبها هي، فربما منحها ذلك وجوداً ذا معنى يراقبه أحد ما فيشعرها بلا عزلتها!

في الحقيقة، نحن نعيش حياة طويلة مليئة بمستويات لانهائية من العلاقات والاهتمامات والقناعات، دون أن نسأل أنفسنا ماذا أردنا من حياتنا فعلاً قبل أن ننشغل بتأثيثها بالعائلة والأولاد والطموحات، فنكتشف وبشكل مفاجئ أن ما حققناه أو ما وصلنا إليه لم يكن هو ما نريده بالفعل، وأن علينا أن نبدأ رحلة بحث جديدة عن ذواتنا!

المصادفة وحدها قادت إيلينا لاكتشاف المخبوء في داخلها، بحيث غاصت عبر مذكرات أمها المتوفاة وتقارير التحري السري، في داخلها وفي حقيقة علاقتها بوالدتها وابنتها وزوجها، لتعرف ودون إنكار أنها كانت تعيش وحدة قاسية، تلك الوحدة التي تجد نفسك فيها فجأة في هذا العالم، كما لو أنك قد انتهيت لتوك من المجيء من كوكب آخر لا تعرف لماذا طردت منه، وما عليك سوى إيجاد مكان يصلح لحياتك المقبلة!

إيلينا تمثل الكثيرين منا، فمن ذا يستطيع أن يثق بأن ما هو عليه اليوم يمثل حقيقته وإرادته فعلاً، وأن لا شيء غائراً في أعماق بحيرة الذات المجهولة، الحكاية هي أننا نهرب من بريق المياه أحياناً، لأنها كما قال إيميل سيوران (المياه كلها بلون الغرق)، نحن نخشى أن نغرق ليس خوفاً من الموت، ولكن خشية العثور على ذاتنا المطمورة في الأعماق والتي لم تنل فرصة الظهور والحياة فعلاً!

لماذا نخاف لحظة الحقيقة أو الاكتشاف؟ لأنها اللحظة الفارقة التي ستضعنا أمام مأزق اتخاذ قرار التغيير الذي لطالما هربنا منه طوال السنوات الماضيات، عندما تركنا فراغاتنا الكثيرة تنمو لتكون كائناً يشبهنا وإن لم نكن هو، لكننا مع الأيام انتمينا له وصدقنا أننا هو!

تعليقات

تعليقات