الإنسان متغير يعشق الثبات! - البيان

الإنسان متغير يعشق الثبات!

لم يتحدث الناس بجميع نخبهم عن أمر كما تحدثوا عن ضرورة التغيير، متناسين عمداً أن التغيير نتيجة لعوامل وإرادات وليس وصفة علاج جاهزة، ليس من علبة دواء مكتوب عليها «للشفاء العاجل».

إن الناس لا يقبلون التغيير من تلقاء أنفسهم، وحتى إن قبلوه مرغمين فإنهم لا يأخذون به دفعة واحدة؛ يلزمهم بعض الوقت لترتيب الظروف مع المتغيرات الجديدة، وهذه لا تحصل دفعة واحدة، بل بصعوبة ومع كثير من الآلام والتضحيات!

أتذكر أن ذلك الأستاذ سألني يومها عن ذهنية التغيير في العالم العربي، ولماذا يتشبث العقل العربي بالتراث؟ أو لماذا هو عقل غير مرن؟ حسب وصفه، قلت له: لقد شهدت أوروبا قروناً من الصراعات والثورات، واحتاجت قروناً لتتخلى عن نظرية اقتسام السلطة بين الملوك ورجال الكنيسة،.

واحتاجت حربين عالميتين وملايين الضحايا لتعبر عصر الامبراطوريات الاستعمارية إلى عصور الحداثة والسلم والهدوء العالمي، مخلّفةً كل ما كان قبله بعد أن ذاقت الخراب في أقصى تجلياته.

ليس العالم العربي وحده من يتشبث بقديمه، إنها الذهنية الإنسانية عامة التي تألف ما اعتادت عليه، فلا تريد الدخول في خضات التجريب واحتمالات الفشل والنجاح، وعلى المستوى الفردي أو الجمعي، يأنس الإنسان عادة لما تعود عليه وعرف حسناته وحظي بأرباحه ومكتسباته، وإذاً فلماذا يقلب حياته رأساً على عقب! قلت له: لا تنس أن للتغيير كلفة باهظة.

وأن استعداد الناس لقبولها ليس متوقعاً دائماً ،كما أنه متفاوت من شخص إلى آخر ومن مجتمع إلى مجتمع آخر، فحسابات الحقل لا تتفق دائماً مع حسابات البيدر، ومع أن الإنسان يحب الجديد والمتغير، لكنه في نهاية اليوم يحن لما تعود عليه، الإنسان كما نقول دائماً: «يخاف من المجهول، أو عدو لما يجهل»، والتغيير مجهول ضخم غير مضمون النتائج دائماً!

مع ذلك، فالتغيير هو الثابت الوحيد في هذا الكون، ومهما وقف الإنسان في وجهه، فإنه سيحدث في النهاية، في الوقت نفسه فإن التغيير الذي يحدث بحكم ضغط الواقع والضرورة واحتياج الناس يؤتي ثماره لصالح الجميع وإن بعد حين، لكن التغيير الذي يحدث بالإكراه، مثلما حدث حين أراد الغرب فرض الديمقراطية على الشرق الأوسط، كانت نتيجته وخيمة جداً!

سيقف الناس ضد أي تغيير ليس في صالحهم أو ليس نابعاً من إرادتهم أو عن طريقهم، لكن للتغيير إرادة وللمجتمعات فلسفة، ومهم أن تتفق الفلسفة مع إرادة الناس، ليكون التغيير مقبولاً وإنسانياً ولصالح الأغلبية، حتى وإن كان هناك متضررون قليلون!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات