في مواجهة التحديات التي تواجه منطقتنا العربية، وهي كثيرة جداً، والتي كانت فيما قبل الألفية الثالثة تنحصر في الفقر والجهل والأمية والتوزيع غير العادل للثروة، فأضفنا لها بعد قرن الألفية الثالثة التطرف والعنف وكراهية الآخر والثورات المزيفة التي دمرت أوطاناً بنيناها عبر قرون من التاريخ، في مواجهة حزمة التحديات هذه ليس أمامنا أن نهرب للماضي كما يطرح البعض، فالمستقبل لا يعالج بالأمس، كما لا يمكننا أن نهرب للمستقبل بأحلام اليقظة، لكننا نستطيع أن نستمر وأن نسير بأقدام حقيقية وراسخة وغير مبتورة، كيف؟

بالتفكير العملي، بالبحث عن بدائل، باستغلال طاقات الشباب، بإعلاء قيم المعرفة والتعاون والتسامح، بالاعتزاز بالجذور والهوية الثقافية، وبفتح كل القنوات والأبواب للحوار، لما تحول منذ سنوات طويلة لشعار كبير هو (حوار الحضارات)، والذي اختاره منتدى الإعلام العربي ليكون شعاراً له في دورته الحالية التي انطلقت صباح أمس!

يتوافر في منطقتنا العربية ما لا يتوافر في غيرها من مناطق العالم من قوة سكانية ضاربة، ومن أراض ومياه وثروات وأموال، من اختلافات ثرية ومن أفكار وحضارات، ومدن ورسالات وديانات، ومن منظومة قيم وأخلاق وعادات وآداب وأساطير بقيت صامدة عبر سنوات لا عدد لها، وبرغم هذه الوفرة الثقافية القيمية العظيمة لهذه المنطقة، فإنها تتخبط في الفقر والأمية والحروب والنزاعات والمؤامرات، وانقسامات المذاهب والهويات والتوجهات... فما السبب؟

لأن الجميع مصاب بانعدام الرؤية، رؤية المصلحة العامة، ولأن أحداً لا يريد أن يستمع للآخر، لأنه لا يعترف به، ولا يريد أن يعترف باختلافه عنه وبحقه في هذا الاختلاف، لأنه يرى نفسه الأفضل، يرى مذهبه هو الحق، يرى ديانته هي الأساس وكل ما عداها باطل، يرى أنه الفرقة الناجية والجميع على ضلال أو في النار، ذلك كله كان سائداً في أوروبا عندما كانت تدين وتحتكم لهذه الذهنية الإقصائية المتطرفة التي تسببت في كل حروب أوروبا وصراعاتها ونكباتها وثوراتها الدموية، والتي أنتجت ملايين القتلى عبر التاريخ، وعليه فكيف السبيل للخلاص؟

بالحوار! ليس أمامنا سوى أن نجلس ونعترف بحق بعضنا في الحياة على هذه الأرض، وفي التفكير والاعتقاد والتدين، كما نريد لا كما يريد الآخر، وكما قال (محمود درويش) على هذه الأرض هناك ما يستحق الحياة، بعيداً عن القتل والعنف والتفجيرات والإرهاب والثورات الغبية المدمرة، الحوار الذي أطلق عليه المفكر الفرنسي روجيه غارودي (حوار الحضارات) لتجسير الفجوات ليس بيننا وبين الآخر المختلف عنا في قارات وبلدان الدنيا، ولكن الآخر المختلف عنا والذي نتقاسم معه الوطن والدين والهواء والانتماء والتاريخ والمواطنة.