أتذكر ذلك المساء من شهر يوليو منذ سنتين، كان مساء كثيفاً ومثقلاً بالصمت والترقب، كان يشبه تماماً المساء نفسه الذي توفي فيه والدي، الوقت كان نفسه، والشهر نفسه، كان رمضان وكان الجو مختنقاً بالحرارة والرطوبة، كان لا ينقصنا شيء كالحزن أو حدث كالموت أبداً، لكنها إرادة الله! توفي والدي في رمضان من عام 1986، وبعده بثمانٍ وعشرين سنة توفيت جدتي لأمي في رمضان أيضاً، وبين الرحيلين، لملم جدي سنواته، ورحل خالي أيضاً، كما غادرنا أناس كثر، فالموت يسجل حضوره اليومي بقوة لا يمكن سوى الرضوخ لها، في كل مكان وبلا توقف، يأتي مباغتاً، وحين يغادر حاملاً غنيمته يترك قلوبنا كزجاجة مصباح رقيق تهشمت بضربة قدر لا تنمحي ذكراها بسهولة.

كنت واقفة مسمرة في حضرة الموت، وأمام ذلك الجسد المتسربل في بياض الأغطية، والغارق في صمته الأخير، في العجز المطلق الذي بلا حدود، تظل واقفاً ترتجف، تبكي، تصمت، تتلمس شيئاً ما فيك، ترتعب من فكرة أنه سينفصل عنك عما قليل وإلى الأبد، ولا تدري مقدار ذلك الزمن القليل، فالقليل عندك يختلف بحساب ومقاييس الكون ومعادلة الحياة والموت ورحمة الله، تظل واقفاً تنظر في الفراغ، في الأجهزة التي تخترق كل جزء في ذلك الجسد، أجهزة تضيء بالأخضر والأزرق والأحمر والأصفر، تنتبه إلى أنها ألوان الحياة الحقيقية، وتحرقك دموع تغص بها، حين تتذكر أن هذا الجسد الذي أمامك يرقد نهائياً في منتصف المسافة بين الانتظار و... الموت!

لا وجود لفكرة أكثر كثافة وسطوة وتأثيراً ورعباً من فكرة الموت، أن تقتفي آثار شخص يعنيك تماماً، وهو يغذ الخطو متعجلاً الراحة من عذابات يجدها في كل ما ينغرس في جسده من أسلاك وأجهزة وحقن وأدوية، بينما الجسد في قمة وهنه وضعفه وتهالكه، ما من فكرة تخيف الإنسان لحظتها وتحزنه وتبكيه وتجرح قلبه بل تشطره كتلك الفكرة الساطعة الواضحة الحاضرة حيثما التفت: الموت!

أذكر أنني صرت أمعن النظر إلى وجهها، أتذكر عمراً طويلاً، مديداً، ضاجاً بكل ما يخطر على البال، أتذكر امرأة قوية، ما زلت أذكر الطعام الذي تناولته من طهي يديها، إفطار صباحات المدرسة، رائحة خبزها وقهوتها، وأنتبه إلى أنني في كل محاولات تعلمي للطهي كنت في الحقيقة أقلد طهيها وحركتها في الطبخ وإعداد الوجبات، ولطالما تمنيت أن أشبهها، مع ذلك فقد كانت تلك المرأة قوية بما يكفي لاحتمال آلام الحياة، ومباشرة مسؤولية عائلة كبيرة، وهي ما زالت على أعتاب المراهقة، لقد احتملت حياة طويلة جداً بصبر تحسد عليه، ثم رحل زوجها وابنها الوحيد، وبقيت هي تنتظر كل يوم وتسأل من حولها كالتائهة: لماذا لا أرحل مثلهم؟ لقد تعبت!