اختارت جائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها الحالية (العاشرة)، الأديب المعروف أمين معلوف، شخصية العام الثقافية للجائزة، وهو اختيار وافق أهله، فمعلوف قامة أدبية كبيرة يحمل مشروعاً ثقافياً وحضارياً في غاية الأهمية، مشروع يتكئ على تاريخ الشرق، ويتجذر فيه ليلامس التحولات الكبيرة الحضارية التي أسست للصورة التي يبدو عليها كل من الشرق والغرب في مساراتهما الحالية وعلاقاتهما بعضهما ببعض.

أمين معلوف، روائي وأديب انطلق صوب مشروعه الأدبي من بوابة الصحافة الاقتصادية أولاً، ومن مسارين غيرا حياة ذلك الشاب اللبناني الذي استهل سنوات السبعينيات متخرجاً في قسم الاجتماع، ومنخرطاً في جريدة «النهار» اللبنانية بحماسة شاب مجتهد ينتمي لعائلة ذات توجه ديني واضح، إلا أنه مال صوب الاقتصاد لتفاجئه الحرب الأهلية عام 1975، كما فاجأت آلافاً من الشباب اللبنانيين الذين تفرقوا في بقاع الأرض، بحثاً عن ملاذات تحتضن أحلامهم وتمنحهم هويات يكملون بها حياتهم بعيداً عن لبنان، الوطن الذي سيظل محترقاً بنار الحرب وتبعاتها سنوات طوالاً.

انتقل أمين معلوف إلى باريس مستمراً في عمله الصحافي، إلا أن هاجس البحث والتنقيب في تاريخ العائلة ومسيرة الجد الكبير غير مساره، ليجد نفسه يصدر كتاب (بدايات)، ومن ثم رواية (الحروب الصليبية كما رآها العرب عام 1983)، وليلتقط منذ ذلك الحين طرف الخيط الأهم بالنسبة لروائي سيكمل حياته في الغرب بهوية مختلفة، فاختار أمين معلوف ألا ينتمي لهوية عرقية أو دينية محددة، فالهويات بالشكل المتزمت والمتطرف الحالي قاتلة بالفعل، وهذا ما شرحه في كتابه (الهويات القاتلة)، خصوصاً وأنه لم يعد لبنانياً، وليس فرنسياً في الوقت نفسه، لكنه مواطن عالمي إنساني يعيش حالة الوعي التام بما يحدث على الساحة العالمية، مدركاً أهمية التسامح ونبذ التعصب والتطرف والصراعات التي لا تقود إلى أي نتيجة!

لقد خرج أمين معلوف من بلاده عام 1976، فارّاً من جحيم حرب مجنونة ومدمرة، وقد كان الجهل والعمى المذهبي والتعصب، الوقود والذخيرة لتدمير بلاده وأي بلد آخر، وهذا ما شغل نفسه بالوقوف في وجهه وفضحه، من خلال التنقيب في التاريخ بكل تجلياته ومساراته، وهذا ما يجعل من أمين معلوف شخصية أدبية مرموقة ومحترمة، وذات عمق جلي جعله يستحق هذه الجائزة بجدارة.

ومع كل هذا التاريخ الممتد لأكثر من 35 عاماً من الإبداع، إلا أنه قال حين أبلغ باختياره شخصية العام الثقافية لجائزة الشيخ زايد: (إن هذا الاختيار يعكس تفهماً عميقاً لما قدمته من أعمال خلال سنوات، فمنذ أن بدأت الكتابة قبل نحو 35 عاماً، حاولت الاهتمام دائماً بإقامة صلات وصل بين العرب والغرب).