أيها الشهيد بوركت حياً وميتاً، بوركت الأرض التي نسلتك والأم التي ولدتك، والروح العظيمة التي سكنتك، والشهادة التي صارت هواك فسعيت لها في نواحي الأرض، تتلمس مواطن الحق ساعياً للدفاع عنه ورده إلى أصحابه وإن كان الثمن حياتك. تستحق مجدك - أيها الشهيد - ومسك الأرض التي ستضمك وزغاريد السماء مجلجلة وهي تستقبلك، يا لمجدك أيها الشهيد، يا لعزك ويا لعز أرض تناسل منها الشهداء يصنعون مجداً لا يساويه مجد ولا يقاربه عز.

لم تقل لأمك أنك وأنت راحل في معية الفجر، متوضئاً بالنور وبالهمة، بالصدق ومحبة الأرض، لم تقل لها بأنك ابتهلت لله أن تكون شهيدا لتمنحها شرفاً لا يمنحه أي ابن لأمه مهما فعل كما الشهيد، هل كان بإمكانك أن تقول لها: إنك قرأت شهادتك في أخاديد الأرض وأنت تدوسها، وفي رائحة الهواء حين استقر في رئتيك محملاً بالبارود وأصوات القنابل وصرخات الجنود، هل كان الوقت سيسعفك لتقول لها: «لا تبكي يا غالية فشهادتي هديتي لك، ليظل رأسك شامخاً هناك في الأعالي كأنك تقبضين على يدي وتمسحين رأس صغاري» ربما لم تقل لها بلسانك، لكنها سمعتك حتماً، فهي مذ كنت في أحشائها تسمعك قبل أن تتكلم، تعرف أنك كتبت لها آخر الكلمات التي وصلت لروحها كما أرسلها قلبك «اصبري يا أمي فأنت تبنين مجد الإمارات كما بنيته أنا ورفاقي الشهداء بصبرك وتضحيات قلبك الرائع»!

من طول أرض الإمارات وعرضها، من معظم مدنها وقراها وأحيائها، خرج شباب توضؤوا بإيمانهم بربهم، وبحبهم لقيادتهم ووطنهم. شربوا الحق باكراً ولبوا نداء الحق حيثما كان الحق. صغار على الموت كبار للشهادة والتضحية.

عظام بوطنهم ولوطنهم. هذا الوطن الذي يزف خيرة شبابه للسماء بفخر وصبر وتوكل، هذا الوطن يكبر كل يوم بهؤلاء وتشمخ قامة نسائه: الأمهات الصابرات، الآباء الكبار، الأبناء والأخوة والزوجات.. كلنا نلتمس مجداً من رائحة شهادتكم أيها الرجال الحقيقيون.

في عزائه لأم الشهيد، وقف صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ليقول لأم الشهيد: «إن دولة الإمارات تكبر كل يوم بعطاءات أبنائها الذين آمنوا برسالتها ومبادئها وعشقوا ترابها، فبذلوا في سبيل إعلاء اسمها ومكانتها الغالي والنفيس، فحق علينا أن تكون أسماؤهم محفورة في وجدان كل من يعيش على هذه الأرض الطيبة».

آمنة المراشدة أم إماراتية عظيمة كأمهات كثيرات لها ابن شهيد، هذه المرأة قدمت صورة ناصعة لابنة الإمارات، وهي تزف أبناءها السبعة من القوات المسلحة إلى ساحات العز والشرف، فهل بعد ذلك صبر وشرف وعظمة نفس!

إن تضحيات أبناء الإمارات مشاعل نور، كتاب عز وفخر، عنوان عزة ومجد، إنهم دروس حقيقية وعبر حية لكل النساء القادمات عبر أجيال وأجيال.