EMTC

الحقيقة والأخلاق!

يتجادل الأفراد عادة إلى درجة الغضب حين يتعلق الأمر بقضايا أصبحوا يؤمنون بها بشكل مطلق، كقضايا كلية؛ حرية الرأي مثلاً، وحرية التعبير في الصحافة؛ فمعظم طلاب الإعلام مثلاً يتناولون هذه القضية الخطيرة والحساسة أثناء دراستهم في أقسام الصحافة تحديداً ضمن مساق أخلاقيات الإعلام، حيث يتم شرحها وتوجيه الحديث حولها بشكل أخلاقي مطلق، أو مثالي إن صح التعبير، دون محاولة تطبيقية لمعايير الحرية، وضبطها ضمن محددات معروفة.

فالحرية والإعلام والصحافة والصحفيون يتحركون ضمن فضاء اجتماعي، متشابك ومتداخل من حيث العلاقات والمصالح والبشر؛ لذلك لا بد من مراعاة ذلك كي لا يحدث أي تضارب في العلاقات أو المصالح يقود لضرر معين، إضافة إلى أن الحقيقة لها أكثر من زاوية، فلا وجود لحقيقة وحيدة أو واحدة.

ولهذا تجمع المؤسسات الصحفية على مبادئ أساسية فيما يخص انتهاج الحقيقة والدقة والموضوعية والحياد والتسامح والمسؤولية أمام القراء، والمشاهدين، وتبدأ هذه الالتزامات منذ اللحظة التي يبدأ فيها الصحفي بحثه عن الخبر أو المعلومة حتى مرحلة نشرها، وهنا تظهر بعض الأسئلة حول مدى تماس هذه المعلومات مع مصالح الناس وحياتهم الخاصة ومصالح المجتمع وسمعته وأمنه!

في الشريعة والدين، كما في الصحافة وكل تعاملات القانون، فإن الأنظمة التي تسعى لتحقيق العدالة ومصالح الناس تعمل قدر استطاعتها على أساس مبدأ التوازن بين الحقيقة واحترام الأخلاقيات؛ فمثلاً يقتضي الأمر أحياناً عدم كشف بعض التفاصيل مثل اسم متهم رهن التحقيق، أو أخبار قد تسيء إلى سمعة مؤسسة أو مشروع وطني أو شخص معين، كما يظهر كثيراً في قضايا تصوير الأطفال دون علم أهلهم أو استدراجهم للحديث عن شؤون والديهم الخاصة ثم نشرها!

إن الحقيقة ليست إلهاً مقدساً دائماً؛ فهذه الحقيقة من الممكن والطبيعي في حياتنا المتشابكة اليوم، كما في كل الأوقات، أن تتعارض مع قيم ومصالح أهم كالمصلحة العامة.

مثلاً، حيث لا يصح أبداً الكشف عن الأسرار العسكرية والمعلومات الحكومية الحساسة والمعلومات المتعارضة مع سمعة الدولة ومشاريعها التنموية؛ فهذه المعلومات قد تكون متعارضة مع المصلحة العامة، حتى وإن كانت حقيقية.

إن أكثر من اخترق مبدأ المصلحة العامة لحساب الحقيقة، كما يظنون، هم أنصار الإعلام الحديث أو مواقع التواصل، التي لا تعتمد الدقة أو أخلاقيات الصحافة، بل تعتمد على النقل المتواتر دون تثبت، وعلى الإشاعة وغير ذلك، وهؤلاء يحتاجون لجرعات توعية مكثفة وقوانين ضابطة كذلك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات