اعلم أن العمود وعاء صحفي صغير، صغير جداً ولطيف في الوقت نفسه، يحبه القراء ولا يملون متابعته بشكل يومي، حتى أن بعضنا يرتبط بكاتب العمود إلى درجة الصداقة، فتتحول القراءة اليومية لأفكاره وثقافته وشكل لغته إلى طريقة عملية للتجسس عليه أحياناً، أو تطوير المعرفة به، تماماً كما تتطور وتنمو معرفتنا بأصدقائنا الحقيقيين، فنحن لا نعرف أصدقاءنا منذ اللقاء الأول، بل تنمو العلاقة بتنامي المعرفة وتعدد المواقف وطور الاكتشافات، هكذا نكتشفهم ونتغلغل في قلوبهم وأسرارهم على مهل، تماماً كمن يرتشف قهوته الصباحية وهو يقرأ جريدته مبتدئاً بآخر عمود !
العمود، هذا الوعاء الصحفي الصغير، يصنع يومنا فعلاً حين نبدأ بقراءته كأول طقس من طقوس النهار، لذلك فلنكن حذرين ونحن نقلب كامل الصحيفة لنبدأها من الخلف، من آخر عمود فيها، فإذا لم نكن على ذلك القدر من الثقة بالكاتب وبقدرته على ترتيب مزاجنا منذ الصباح فلنتمهل، لنؤجل اللقاء، لنؤخر إلقاء التحية عليه، فقد أصبحنا في زمن مرن جداً، وصار بإمكاننا أن نقول لبعضنا ( صباح الخير ) في منتصف النهار وبلا أدنى حرج، هذا الوعاء الصحفي الصغير، هو في الحقيقة: شديد البذخ، فائق الإغراء، وهو أيضاً صانع إشكالات كبيرة في عالم الصحافة.
ذات مرة سمعت الصحفي المصري عادل حمودة يقول ( الذين يختارون كتابة العمود إنما يحملون ما يشبه المدفع الرشاش ). أما الأستاذ عبدالحميد أحمد فقد كتب مرة يقول إن كتابة عمود يومي ورطة كبيرة ! الكاتب الشهير مصطفى أمين له كتاب شيق بعنوان ( لكل مقال أزمة ) كتب فيه الكثير من ذكريات الصحافة وتلك الأزمات التي سببتها له أعمدته اليومية مع الرقباء زمن عبدالناصر، مع ذلك فما من صحفي إلا ويتمنى أن يكون له عمود صحفي في جريدته، لأنه يعلم مدى تعلق الناس بالعمود وبكاتبه، ومدى تأثيره وألقه متغاضياً عن ورطاته ومخاطره بطبيعة الحال .
لي مع العمود الصحفي اليومي حكايات كثيرة، مع الرقباء، مع رؤساء التحرير، مع القراء، مع القضاء، مع الأصدقاء، مع من يعتقد أنه فوق النقد ومع من يظن أن الشمس يمكن إخفاؤها بأصبع، ومع المحبين والأعداء ( يمكن أن ينتج لك العمود الصحفي أعداء من تحت الأرض ! لا بأس عليك أن تقبل ذلك فكل عمل له إشكالاته )، برغم كل ذلك فكاتب العمود لا يمكنه السباحة خارج المياه الإقليمية للعمود، يصير العمود الصحفي عمله، وظيفته في الحياة، ثقافته، وصفته التعريفية في كل مكان، وتحت هذه الشجرة الكبيرة يجتمع كل صباح مع الجميع .
ولأنه وعاء صحفي صغير جداً ولطيف جداً، فهو لا يكفي دائماً لما يود الكاتب قوله، لذلك هو مستمر، إنه يخلق حياته من عدم اكتماله، ويخلق استمراريته من ظمأ كاتبه وقرائه معاً .