أراد أحد أساتذة علم النفس أن يختبر طاقة الحب الإيجابية في نفوس وتصرفات طلابه في الجامعة، فأعلن عن إطلاق فصل دراسي حر سيقوم هو بتنفيذه في ساعات فراغه بعد أن تمكن من إقناع مجلس الجامعة، فانضم إليه عدد من الطلاب وقد أطلق الأستاذ على مشروعه غير الاعتيادي في الدراسات الجامعية فصل «الحب»!

لقد خطرت فكرة المشروع بذهن الأستاذ بعد تعرض إحدى طالباته للموت دون أن يعرف أحد من أهلها أو زملائها سبب موتها، وحين سألهم جميعاً عن سبب انتحارها لم يتلق أية إجابة، ما جعله يقتنع أن هؤلاء الطلاب إذا تخرجوا من الجامعة وهم يحملون أرقى الشهادات، بينما لا يعنيهم كثيراً معاناة زميلة أو قريب لهم الى درجة أن يموت دون أن يشعروا بموته.

فذلك يعني فشلاً ذريعاً لآليات التربية والنزعة الإنسانية للمجتمع وللجامعة وللطلاب حتما، حيث نظر هذا الاستاذ للحب على أنه الطاقة الأساسية التي تحرك الكون وتضبط موازينه وتجعله يتحرك بشكل صحيح وتجعل الناس ينمون بطريقة سوية.

لذلك ففي أول يوم جعل الطلاب يجلسون على الأرض على شكل حلقة متراصين بجوار بعضهم بعضاً، ثم أخذ يحدثهم عن طاقة الحب الإيجابية وطاقة الأنانية السلبية والمقيتة، قال لهم نحن مجتمعات تعلي قيمة الفرد وتحتفي بالأنانية والنزعة الذاتية الفردية حتى أصبح الفرد هو الغاية والهدف لكل شيء، للسياسة والقوانين والحروب والفن والسينما والاعلام والاختراعات والمباني والبيئة .

وأن هذا سيدمرنا من الداخل، حيث لم يعد هناك من يفكر بغيره، لم يعد أحد مهموماً حتى بأقرب المقربين لديه: بأمه العجوز ووالده المسن، أصبح من السهل الخلاص من عبئهما في أقرب دار للمسنين للاستمتاع بالحياة، هكذا تقول له الدولة والمجتمع!

هوجم الفصل من قبل كثير من المعلمين كما تعرض لسخرية كثير من الطلاب، أما أولئك الذين انضموا إليه فحين كلفهم بالإجابة عن سؤال حول أول ما سيفكرون في إنقاذه إذا شب حريق في البناية التي يقيمون فيها أجاب معظمهم بشكل دلل على أن النزعة الفردية الأنانية قد تحكمت فيهم الى درجة أنهم يفضلون إنقاذ مجموعة من الطوابع البريدية على إنقاذ جار مسن أو حتى أحد الوالدين.

هذه الحقيقة البشعة قادته الى طلب إجازة لمدة ثلاث سنوات تنقل خلالها في مدن الشرق ملتمساً الدفء الإنساني في العلاقات الاجتماعية في القرى الفقيرة في النيبال وتايلند وبورما وغيرها وقد قادته تجربته هذه الى تأليف كتاب بعنوان (الحب، الظاهرة الإنسانية الكبرى) الذي وزع ملايين النسخ!

الحب طاقة إيجابية عظمى، إذا تربى عليها الإنسان ونما بها ومعها فإنه يتحول هو نفسه إلى طاقة خلاقة وملهمة في مجتمعه ولمن حوله، يصير شخصاً إيجابياً، متحرراً من ذاتية الأنا الضيقة المقيتة، محباً لنفسه كما يجب: يؤمن بأحلامه ويصغي لنفسه ولاحتياجاته تماماً كما يؤمن بحقوق وأحلام الآخرين ويصغي إليهم وإلى كل شيء حوله، بهذه الطاقة يمكنه أن يشعر بالأمان ويذلل كل العقبات التي قد تعترضه!