حكاية المقال الأول كانت تلك التي كتبتها في عمود البارحة لا أكثر من ذلك ولا أقل، لكنني أستدرك اليوم ما فاتني ذكره بالأمس وأجده أمراً في غاية الأهمية إذ يخص زملاء وأصدقاء كان لهم فضل الاعتراف بي ومنحي دون سابق معرفة تلك المساحة الحرة التي بقيت قرابة العامين أكتب فيها مقالاً أسبوعياً منتظماً تحول لاحقاً إلى عمود يومي !
أول هؤلاء كان الصديق والزميل سعيد حمدان الذي كان يشغل يوم كتبت للمرة الأولى منصب رئيس قسم الدراسات في جريدة البيان، وكان حسب ما أذكر يكتب مقالاً أسبوعياً في الصفحة الأخيرة مع مجموعة من الزملاء تحت عنوان (إلى اللقاء)، سعيد حمدان (الذي يرأس جائزة الشيخ زايد للكتاب اليوم) كان أول شخص أتحدث إليه وأتواصل معه ومن خلاله عرفت عالم الصحافة.
ودخلت إلى البيان ومن ثم التحقت للعمل بها، وقد كلفني في بدايات عملي معه بالإشراف على صفحة الآراء ثم على ملحق أسبوعي باسم الملف السياسي قبل أن يمنحني رئيس التحرير الأستاذ خالد محمد أحمد في العام 2000 فرصة رئاسة القسم الثقافي وإدارة ملحق بيان الثقافة !.
حكاية الكتابة هي قصة عمر وتحولات، وهي في المقام الأول قصة الصدفة المدبرة التي كان يؤهلك لها القدر كل السنوات الفائتة من عمرك قبل أن يفتح لك البوابة الكبيرة ويريك العالم الذي كان مخبوءاً عنك، لأننا لو علمنا الغيب لاخترنا الحاضر ولما تحركنا من مكاننا ولما سعينا، الإنسان يأنس لمن ولما يعرف.
وهو عدو لما يجهله، لذلك فإن معظم الناس يتمسكون بوظائفهم وبزملائهم ولا يرغبون في التغيير وهذا ما أسميته ذهنية الشجرة، فالشجرة تحب أرضها وتربتها وإذا نقلتها غالباً ما تموت، لا أدري كيف تخلصت من ذهنية الشجرة وآمنت بمنطق العصافير المحلقة بعيداً في سماوات مختلفة وعلى أفنان أشجار بعيدة، حين قررت الاستقالة بشكل حاسم لالتحق بالبيان في صيف العام 1997.
كان لقدرية الكتابة التي كأنني خلقت لأجل أن أحبها وأمتهنها دور في ذلك، لقد وجدت فيها استكمالاً أكثر اتساعاً وانتشاراً لوظيفتي كمعلمة، فالإعلام رسالة أيضاً، والكتابة رسالة وإن كنت في أحيان كثيرة أفسر العلاقة بين الكاتب وكتابته بالعلاقة البراجماتية المعقدة، فهو يستتر خلفها في أحيان كثيرة للخلاص من خجله، وبؤسه،وضعفه،وقلقه، وأسئلته الوجودية، لذلك لا يستطيع التوقف عنها بالرغم من ضغوطها والتزاماتها وأثمانها الباهضة التي يدفعها خاصة حين يكون ملتزماً.
الكتابة تتطور وتنمو مع كاتبها، ليس من حيث التقنيات النفسية واستخدامات اللغة والثقافة، خاصة إذا أحب الكاتب كتابته وآمن أنه منذور لها وأنه كاتب وليس موظفاً، ولكن من حيث النضج وتقدير المواقف، والامتلاء بالقناعات الحقيقية، لذلك يمكن لهذا الكاتب أن يجلس مسترخياً ذات يوم مستحضراً كل التفاصيل والوجوه ليكتب حكايته مع الكتابة، تلك الحكاية التي لا يملك حتى هو أن يضع نقطتها الأخيرة !