في الخامس من شهر ديسمبر من عام 1995، نشرت جريدة البيان أول مقال كتبته في حياتي، وكان تحت عنوان (هكذا نتحاور، وهكذا نختلف)، عشرون عاماً مرت على نشر ذلك المقال، ما زلت أحتفظ به كما نشر، وما زلت أحتفظ في ذاكرتي بلحظة كتابته طازجة ساخنة مكتملة، لم ينقص منها شيء، ما زلت أتذكر المكان، والوقت، والسبب الذي دفعني لفعل الكتابة لحظتها، ودون سابق إنذار.
لم أنسَ ولن أنسى يوماً، كيف تحولت حياتي رأساً على عقب، كيف تبدلت الأمور والوجوه، واتسع العالم حولي وكثر الناس، وما زلت أتأمل الفكرة نفسها: كيف تتغير حياة الإنسان بدرجة كاملة في لحظة قدر خاطفة، وفي لحظة قرار واختيار، لا تعلم كيف جاءتك الفكرة؟ ولماذا فكرت في هذا الخيار تحديداً، وليس في خيار آخر؟.
منذ الخامس من شهر ديسمبر 1995 وحتى اليوم، تغير العالم، وتغيرت المنطقة كلها، تغيرت الإمارات، وتغيرت دبي، كما تغيرت جريدة البيان، وتغيرت أنا بلا شك، لم يبقَ شيء كما كان، وحدها الكتابة بقيت قدر الكاتب والقارئ معاً، وارتفعت أسهم القراءة والقراء والكتب.
ومنذ عشرين عاماً - تاريخ نشري أول مقال - وحتى اليوم، كتبت مئات، بل آلاف المقالات، أشعر أحياناً أنني تحولت إلى آلة لإنتاج الخطابات، على حد تعبير الكاتب التركي (عزيز نيسين)، الذي كتب كتاباً تحت هذا العنوان!
كل هذه المقالات الكثيرة التي أنتجتها خلال هذا الزمن الطويل، أحسبني استطعت أن أجعل بينها رابطاً قوياً، يعبر عن أفكار محددة آمنت بها، وما زلت، وهذا مهم جداً لأي كاتب، فنحن لا نكتب لمجرد الكتابة أو الارتزاق أو لتعبئة مساحات في الصحف، أو لنيل المجد والشهرة، أو لأنه ليس لدينا عمل آخر نفعله، في الحقيقة، نحن نكتب لأن الكتابة قدرنا.
ولأن لدينا هاجسا يحفر عميقاً في أرواحنا، ولا بد أن نخرجه للعلن، ونكتب، لأن لدينا سؤالاً كبيراً بحجم وجودنا، نكتبه كل يوم لنجيب عنه، وقد نغادر الدنيا دون أن نعثر على الإجابة الشافية أو الكاملة أو الحقيقية، لكننا نظل نحاول، ونظل نكتب!
كان افتقاد أغلبنا لحوار إنساني محترم في الشكل والمضمون، هو الهاجس الأول الذي دفعني لأن أكتب في ذلك النهار منذ 20 عاماً، فقد وجدت في طفولتي، وعندما كنت تلميذة في المدرسة، وطالبة في الجامعة، وحتى حين توظفت، أن الناس لا تتحاور كما يجب، إنها تلغي بعضها بقوة المنصب والنفوذ والمال.
ولأنه رئيسك في العمل أو والدك أو أخوك الأكبر، فعليك أن تسكت، وأن تستسلم، إنه لا يحاورك، بل يقرر نيابة عنك، يقصيك، يلغيك، لا يأخذ برأيك ولا يستشيرك ولا يسألك، يعتبرك غير موجود في الصورة، لماذا؟
لأنه الأقوى بشكل من الأشكال، هكذا وجدتنا نتحاور في تلك الأيام، وظننت أنني بعد زمن، سأجدنا وقد تغيرنا، ذهبنا للحوار الحقيقي والإنساني، الذي يعترف بإنسانيتنا قبل بشريتنا، فوجدت بعد عشرين عاماً، أننا ما زلنا نتحاور بالطريقة نفسها، بل ربما لم نعد نتحاور أصلاً!