كلنا أصبحنا على يقين بأن أموراً كثيرة اعتدنا عليها وتربينا وكبرنا وهي معنا، رافقتنا وشكلت تصورنا للواقع وكثير من قناعاتنا وأفكارنا وطريقة تعاملنا وعلاقاتنا بمن وما حولنا.

هذه المنظومة المتداخلة من السياسة والجغرافيا والأيديولوجيا والتاريخ والعلاقات يجري الآن هزها من جذورها، ومحاولة تغييرها شكلاً ومضموناً، ومما لا شك فيه أنها ستتغير لا محالة، فالتغيير جهد منظم باتجاه إحداث خلخلة في وضع قائم واستبداله بوضع مغاير يفترض أن يكون أفضل مما كان، لكن هذه الخلخلة لن تنتج التغيير المطلوب ما لم يكن المحيط مستعداً وراغباً في هذا التغيير !

سوريا شكلت وجداننا العربي، عمقنا التاريخي عبر تاريخ الأمويين، والقادة والأنبياء، ذاكرتنا العاطفية عبر قصائد نزار، وكتبنا التي قرأناها عبر دور نشرها وكتابنا الكبار الذين تتلمذنا على أفكارهم ورواياتهم.

ما يحدث في سوريا قيامة حقيقية، وسوريا تحديداً بلاد تجتمع فيها من الشواهد العقائدية والسياسية ومن العمق التاريخي والجغرافي ما يجعلها مؤشراً أو بوصلة حقيقية للكيفية والحال الذي يمكننا أن نتصور أوضاعنا العربية من خلال تطورات أوضاعها والتحولات الممكنة التي ستنتج بعد المعركة البرية المخطط لها، هناك أرض تحفر بأكثر الأشكال مأساوية، وهي الأرض التي لعب التاريخ عليها واحدة من أعظم دوراته على الإطلاق.

هل ستقسم سوريا طائفياً، أمر أكثر من وارد، فالأرض حرثت بالدم والفرقة، وتجهزت للتقسيم، هل ستبقى دار حرب؟ كذلك أمر وارد، فالحرب قرارها بيد من يبدؤها لكن إيقافها أمر يكاد مستحيلاً.

سوريا اليوم في مهب الاقتتال والفوضى، ونحن أبناء الأمة العربية لم نفقد جغرافيا، لقد فقدنا أكثر من ذلك، أما السوريون فقد فقدوا كل شيء، إنه ليس أقسى من ضياع وطن! كانت لدينا قضية فصارت القضية قضايا بلا عدد !

ما يحدث في مصر أمر صعب التصور، ثارت مصر على نظام متهالك أملاً في مستقبل أفضل، فماذا كانت المحصلة ؟

لقد تم التآمر على مصر من أطراف مختلفة، في الوقت الذي كان المصريون يثورون على القمع والفقر وانعدام الحريات، يجدون أنفسهم اليوم يحاربون أشباح الإرهاب والظلاميين، وفوضى الشارع والتفجيرات العبثية ومحاولات هز الثقة بالدولة الكبيرة العظيمة: مصر، وجعلها أمام العالم وأمامنا دولة فوضى وفساد وتخلف، وهذه قناعة كبرى يتم هزها من الجذور أيضاً بهدف تمزيق مصر وتقسيمها !

السعودية، الشقيقة الكبرى لم تسلم من التآمر، لبنان تم العبث به حتى أسقط من الحسابات الإقليمية، السودان يجهز لاتفاقية صلح مع إسرائيل وهو صاحب اللاءات المشهورة (لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف) وتسقط قناعة أخرى !!

تحطيم الأمة بدأ بتحطيم القناعات الكبرى التي آمنت بها وشكلت هويتها القومية وعلاقاتها ببعضها، وأما تغيير الجغرافيا الذي يجري الآن بالحرب والعبث، ووضع علامات الحدود الجديدة فتتويج لنجاح المخطط لا أكثر!!